بين الشعوب وموروثها الشعبي علاقة حميمة، لكونها تتقصى دقائق الحياة وتفاصيل أحوال الناس عامتهم وخاصتهم، حتى ترصد اليوميات والمشاهد والمآثر في تسجيل دقيق، يرتقي لدرجة العادات المتوارثة التي تصبح فيما بعد ثوابت يُجمع عليها أبناء المجتمع.

وبين الموروث الشعبي والشعر روابط نسب أصيلة أقرب لعلاقة الوالد بالولد، لما يحمله الشعر من أمانة نقل هذا الموروث إلى الأجيال القادمة لتنهل منه قيم الآباء والأجداد، في تتابع للمعاني السامية لا ينقطع رفده ولا تنقضي صوره.

ومن هذا المنطلق كانت المبادرات الكريمة من أولي الأمر، لرصد هذا المخزون الأدبي الكبير الذي تتناقله الألسن وتحمله الشفاه، ليغدو منارات تجذب إليها الباحثين عن الجذور التراثية الثقافية، الراغبين في ترسيخ قيم الأجداد، المهتمين بعذوبة اللفظ وأصالة المعنى.

ولعلنا لا نعطي القائمين على هذا الشأن حقهم، إن أردنا تتبع ما قدموه ويقدمونه في هذا الصعيد لإحياء جذوة الشعر الشعبي الخليجي في نفوس أبناء المنطقة، ولا أدل على ذلك من الجوائز والأمسيات والملتقيات والندوات والمسابقات، التي تكرم أصحاب الأدب كونهم رسلاً أمينين لنقل التراث إلى الأبناء، فكم من بيت شعر حمل قيمة عظيمة بقي تردده الألسن ما تعاقب الليل والنهار.

ولم تكن بصمة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، عبر رعايته لملتقى الشعر الشعبي عابرة، بل تركت أثرها البالغ حتى سارت بها الركبان في شرق الأرض وغربها.

ولا شك أن اهتمام سموه بهذا الأفق، فضلاً عن دوافعه الذاتية كونه من رواد الشعر الشعبي، يأتي لاعتقاده الجازم بأثره الكبير في مسيرة الشعر الشعبي ودفع الحركة الشعرية الخليجية إلى ميدان التنافس، لإخراج وتقديم الأجمل والأبدع والأنفع للناس، في تسابق فني ينتقي عذب الكلام ليصوغه في عذب المعاني.

ولقد شكل هذا الملتقى حافزاً قوياً فتح آفاق التطور للقصيدة الشعرية الإماراتية، وللتجربة في هذا الأدب النبطي العريق، عبر الاحتكاك بالتجارب الخليجية الأخرى وتبادل الفائدة، بما يثريه على الساحة الخليجية عموماً.

ولقد جاء اهتمام سموه بهذا الفن القريب، لما لمسه من تميز في التجارب الإبداعية النبطية يستحق الاهتمام والتنمية، ولأنه يحرص أكثر ما يحرص على الاحتفاء بالتجديد الحاصل في القصيدة النبطية.

ويدرك أن القصيدة النبطية بدأت تأخذ موقعها بين جميع الفنون الأدبية الأخرى، وتلقى رواجاً لدى كافة فئات المجتمع، لما حملته من نضج في الأدوات وعمق في التجربة.

وباتت قادرة على الإبحار في كل الميادين حتى أضحت تجاري القصيدة الفصيحة، بل وتتفوق عليها في التراكيب والصور في بعض القصائد، وذلك بما يمتلكه شعراؤها من وعي وخبرة بأعماق المجتمع الذي تتولد فيه تلك القصيدة.

والملتقى بما يضمه تحت جناحه من كبار الشعراء، يستطيع أن يحقق الكثير من خلال توكيد مبادئ التنافسية البناءة، التي تصب في مصلحة الساحة الشعرية والجمهور والشعراء المبدعين، في آن واحد.

ويأتي ختام المسك لهذه الجهود، التي لن ينقطع عطرها بإذن الله في المستقبل، عبر إطلاق سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم مبادرة أدبية جديدة باسم سموه، للإبداع الأدبي.

تتكفل بطباعة 100 ديوان مسموع ومقروء لكبار الشعراء على الساحة الشعرية في دول مجلس التعاون الخليجي، متضمنة التسويق والترويج لهم على النحو الذي يتواءم مع تجاربهم الشعرية المتميزة.

وهذه المكرمة تتجاوز مجرد دعم الشاعر إلى دعم جمهور الشعر وعشاقه، لضمان وصول الإبداع الشعري إلى الجمهور، ولتحفيز مكامن الإبداع عند الشعراء وبحثهم عن الجميل من القصائد، لإخراجها للناس لتغدو هي الأخرى تراثاً يستحق البقاء.

ولا شك أن توقيت مجيئها يحمل المثير من الرسائل التي تعزز الهوية الوطنية والخليجية عموماً، لما ترسخه من معاني الهوية التي نفخر بها، في ظل طوفان العولمة المهددة لكل مناحي الحياة حتى تراثنا وتقاليدنا.

وكلنا يقين أن هذه المكرمات الرائدة ستحمل الخير للجميع، وليس للثقافة والأدب الإماراتيين فحسب، وستكون دليلاً يسير عليه الكثير من الملتقيات الخليجية، بما يعزز مكانة الشعر النبطي والموروث الشعبي الخليجي على اختلاف ألوانه.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

noraalswidi@yahoo.com