قبل أيام قليلة تبنّت أكاديمية العلوم التشيكية قرارا مثيرا للخلاف أعادها، في ما يخص نسبة تمتعها بالحرية، إلى مرحلة القمع الفكري التي كانت سائدة في البلاد إبان الحقبة الشيوعية المندثرة.

وتنبع منطقية هذا الوصف، الذي لا نريد أن نبالغ به بأي شكل من الأشكال، من حقيقة أن القرار المشار إليه قضى بإلغاء ندوة فكرية كانت معدّة سلفا، لا لشيء سوى أن بعض الدوائر الرسمية في تشيكيا وإسرائيل.

كانت قلقة من الكلام الذي كان من المفترض أن يصدر عن أبرز المتحدثين فيها، المفكر والكاتب الأمريكي اليهودي نورمان فينكلشتاين.

القرار أطلق حربا من المصطلحات والأوصاف التي انتشرت بين الأوساط الأكاديمية والسياسية في براغ، والتي انقسمت تاليا بين مؤيد للقرار (الصادر بوحي من مكتب رئيس الوزراء شخصيا، كما أكد البعض)، وبين معارض له.

لكن ما بدا فريدا في كل هذه المعمعة، هو أن الجانب الأول، المؤيد لقمع فينكلشتاين، قلب المصطلحات والمعايير بشكل مضحك ومقلق في آن. فبدلا من أن يتم وصف قرار وقف الندوة بأنه مثير للخلاف.

أخذ هؤلاء يشيرون إلى ما يعتقدون أنها أفكار «مثيرة للخلاف» كانت ستصدر عن هذا الكاتب اليهودي المتمرّد، المصرّ دائما على تعرية الممارسات السيئة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

لكن لماذا كل هذا الخوف من فينكلشتاين، في بلد يصف نفسه بأنه منبع الحريات الفكرية؟ ولماذا تغامر دوائر مهمة، مثل أكاديمية العلوم أو مكتب رئيس الوزراء، بسمعتها بهذا الشكل الفاضح والمضحك، خصوصا وأن الكاتب المذكور سبق أن تحدث أمام جامعات مهمة في العالم، مثل أوكسفورد وهارفارد وغيرها؟

وهل أن الرضوخ لضغوط اللوبي الإسرائيلي المتغلغل في تلك الدوائر، يمثل بالنسبة للقائمين عليها هدفا أسمى من فسح المجال للرأي العام، لكي يسمع وجهات نظر مختلفة عن تلك التي تسوّق لها الدعاية الصهيونية البالية؟!

الجواب يكمن، حسب رأي كثيرين وأنا منهم، في طبيعة التطور القائم في تشيكيا حاليا على أكثر من صعيد، وخصوصا على الصعيد الفكري، والذي لم يستكمل بعد على ما يبدو دائرة نموّه الموضوعية ليستقل بشكل كامل عن ظاهرة التبعية التي قد تنشأ هنا أو هناك، والتي كانت بطبيعة الحال ظاهرة مكمّلة لحركة الوعي التشيكوسلوفاكي، ولاحقا التشيكي، منذ العهود الغابرة.

لكن الحدث كان مفيدا في أكثر من سياق:

* فهو ساهم في حشد أعداد كبيرة من المستمعين في الندوة التالية التي نُظمّت داخل كلية الفلسفة، والتي لم يتمكن السياسيون (والأكاديميون) المراهقون من إلغائها، رغم الضغوط التي مورست من قبلهم.

وكما كان متوقعا، فنّد فينكلشتاين خلالها سلسلة من الأكاذيب التي تستخدمها إسرائيل حول العالم، في محاولة لتبرير الجرائم المرعبة التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، كما أشار إلى الأدوار المهمة التي تلعبها بين وقت وآخر الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأكبر لإسرائيل، في التخطيط للصراع، وإدارته، والمشاركة فيه بشكل حثيث.

وبيّن هذا الأمر بالأرقام، من خلال الدور الهام جدا الذي لعبته الإدارات الأمريكية المتعاقبة في مجلس الأمن الدولي، وإصرارها على الاستماتة من أجل الدفاع عن مصالح إسرائيل، إلى جانب «دول» أخرى مثل جزر المارشال ومايكرونيزيا وما شابه ذلك.

* وقد ساهم أيضا، وهذا هو الأهم حسب رأيي، في إماطة اللثام عن مجموعة كبيرة من المواطنين والمفكرين التشيك المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، والذين كانوا بدورهم مقموعين بشكل عجيب، وغير قادرين على التعبير عن أفكارهم بالشكل الموضوعي المطلوب.

وقد عجبتُ من نسبة التعاطف التي لمستها شخصيا في عيون الحاضرين، المتفاعلين مع فينكلشتاين وأفكاره، الرافضين لسياسة بلادهم المنحازة كليا لإسرائيل، والتي تتبناها براغ بين وقت وآخر في ما يخص القضايا الحساسة والمصيرية.

وبنفس القدر الذي تعاطف به هؤلاء مع أفكار فينكلشتاين والقضية الفلسطينية عموما، فإنهم عبّروا عن رفضهم القاطع لسياسة الاستسلام، والتي لا يخجل بعض الصحفيين التشيك، من أن يجعلوا منها عنوانا أساسيا للتاريخ التشيكي نفسه، بل يتمادون في وقاحتهم لجعلها مثالا يجب تطبيقه أيضا على التجربة الفلسطينية الحالية.

ولعلّ أبرز ما يثير الهلع في نفوس الإسرائيليين وأصدقائهم حول العالم، هو الجرأة التي يتمتع بها فينكلشتاين في ملامسة الواقع المرتبط بتبعات المرحلة التاريخية التي شهدت فصول المحرقة النازية، أو ما عرف بالهولوكوست.

وهو يحرص في هذا المجال، على أن يكون دقيقا في عدم التشكيك في وجود تلك الفصول المؤلمة من تاريخ البشرية، لكي لا يلعب لعبة النازيين الجدد وأنصارهم.

لكن يبدو أن هدف النقد الصهيوني المتكرر لفينكلشتاين، ينبع من تركيز الأخير في مادّة كتبه الرئيسية على الطريقة التي تُستغل بها هذه المعاناة بهدف: كسب المنظمات اليهودية للمال بشكل مستمر.

بحجة التعويض عما تعرض له أجدادهم في السابق، وشرعنة السياسة الخارجية لإسرائيل، والتي تمكنت نتيجة لهذا الاستغلال المنظم من وضع نفسها في موقع الدولة ـ الضحية. يضاف إلى ذلك أن الهولوكوست أصبح.

بالنسبة لكثير من المنظمات الأمريكية اليهودية ولإسرائيل والولايات المتحدة، «شيئا مثل القطاع الصناعي الذي تستفيد منه إيديولوجيا وسياسيا، لكن أيضا ماليا...».

وما قد يبرر خطورة هذا الطرح، هو أن جميع تلك الأطراف حصلت نتيجة هذه الديباجة المتكاملة، على ما يشبه رأس المال الأخلاقي الذي يستخدم لاحقا لتبرير كل ما تقوم به إسرائيل من قمع وجرائم، لكن أيضا للاستمرار في رفع لائحة المطالب إلى ما لا نهاية...

لقد أثبت فينكلشتاين مجددا عمق الأزمة الفكرية القائمة في العالم، من خلال ما جرى في براغ مؤخرا. لكن يكفيه فخرا أنه قد بدأ يثير الرعب، حتى في نفوس «الأكاديميين».

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz