بعد سنوات عديدة من الاستعصاء على إيجاد حل لأزمة دارفور، ها هي العاصمة القطرية الدوحة تشهد يوم الثلاثاء 23 فبراير 2010، توقيع اتفاق الإطار بين الحكومة السودانية و«حركة العدل والمساواة».
التي تعتبر الحركة الأبرز بين المجموعات الدارفورية المعارضة للحكومة السودانية، والتي تحظى بدعم قوي من تشاد. وسوف يوقع اتفاق السلام النهائي في 15 مارس المقبل.
ويأتي الاتفاق هذا ثمرة للدبلوماسية القطرية الناجحة، التي استطاعت أن تحل العديد من الأزمات المستعصية في العالم العربي، ولا سيما في لبنان ودارفور، وكنتيجة منطقية أيضاً للمصالحة السودانية ـ التشادية.
حيث كانت أزمة دارفور في قلب التوترات والأزمات التي وصلت إلى حد إعلان الحرب بين البلدين. وقد لقي هذا الاتفاق ترحيباً عربياً وإقليمياً ودوليا، لا سيما من جانب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي قال تعليقاً على الاتفاق، إنه يمثل محطة مهمة من أجل الوصول إلى حل شامل للأزمة.
أما من جانب أميركا، فقد خصصت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية افتتاحيتها للحديث عن هذا الإنجاز التاريخي، تحت عنوان «اتفاق الدوحة يبعث الأمل في تغيرات إيجابية في السودان».
وقالت «إن السودان الذي كان يمثل ملفاً مهماًوشائكاً لدى الإدارة الأميركية، وكان مرشحاً ليصبح واحدة من أكبر أزمات الرئيس أوباما، أصبحت الآن بعد الاتفاق الإطاري والهدنة، على الطريق الصحيح نحو مستقبل مشرق، وسيشهد العام القادم تغيرات إيجابية على خريطة السودان السياسية داخلياً وخارجيا».
ويشمل الاتفاق 12 بنداً تنص على وقف النار، ودمج مقاتلي حركة التمرد في الجيش والشرطة، والإفراج عن أسرى الحرب، والعفو عن الأعضاء المدنيين والعسكريين في «حركة العدل والمساواة».
كذلك يقضي الاتفاق بتعويض النازحين، وتنمية دارفور الذي طال تهميشه، والبحث في تقاسم الثروة. لقد شكل تقاسم السلطة والثروة العمود الفقري لكل اتفاقيات السلام التي وقعتها الخرطوم مع الحركات المسلحة المتمردة في السودان.
مثل اتفاق سلام دارفور الذي تم التوقيع عليه برعاية الاتحاد الإفريقي في أبوجا في 5 مايو 2006، بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان المتمردة بقيادة ميني أركو ميناوي (حركة جيش تحرير السودان)، الذي أصبح مستشاراً للرئيس السوداني.
من الناحية التاريخية، أنشئت سلطنة دارفور سنة 1650، وبقيت دولة مستقلة حتى استعمرتها تركيا نحو عقد من الزمن في نهاية القرن التاسع عشر، ثم بريطانيا في أوائل القرن العشرين. ويقع إقليم دارفور في غرب السودان، وتشكل مساحته مساحة فرنسا تقريبيا، أي نصف مليون كيلومتر مربع.
أما الصراع في إقليم دارفور، فقد نشب في الفترة الممتدة ما بين 1987-1989، نتيجة أسباب متعددة، لكن أهمها هي السياسة الزراعيّة التي اعتمدتها بريطانيا خلال الفترة الاستعماريّة. فقد أُعيد توزيع جميع أراضي إقليم دارفور وفق معاييرٍ قبليّة، استُثني منها البدو تلقائياً، كونهم لا يمتلكون قرى.
وخلال فترة الجفاف الكبير التي حدثت بين الأربعينات والثمانينات، اتّسعت الصحراء مساحة 40 كيلومتراً جنوباً، مُبعِدةً البدو الذين اتّجهوا نحو جبل مرّة، في وسط البلاد.
ثم استتبع ذلك صراعٌ تقليديّ بين الفلاّحين والبدو: فمن سيمتلك أكثر الأراضي إنتاجيّة، هو الذي سينجو بنفسه من الجفاف (صحيفة لوموند ديبلوماتيك، أغسطس 2009).
وفي الحقيقة لم ينظر إلى ذلك الصراع ك«إبادة جماعية»، بل «هولوكوست»، سوى القبائل التي تمتلك الأرض، وكانت تريد صد القبائل التي لا تمتلكها.
إذاً، الصراع في أساسه هو حرب أهلية بين القبائل.
لكنه تفاقم بسبب الحرب الأهلية الدائرة في تشاد في عقد الثمانينات بأكمله، حيث تداخلت فيها الأطراف الدولية والإقليمية، إذ وقفت أميركا وفرنسا وإسرائيل إلى جانب تشاد حسين حبري، والاتحاد السوفييتي إلى جانب ليبيا.
ثم تحول الصراع خلال مرحلة 2003-2007 إلى نزاع بين الحركات المتمردة والحكومة السودانية، عندما عملت الأولى على زعزعة السلطة في الخرطوم، بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل.
عندها استخدم الإعلام الغربي مصطلح «الإبادة الجماعية» في تشخيصه للصراع الذي خلف 300 ألف قتيل، وسبب نزوح أكثر من مليوني شخص من دارفور، وفقاً للمصادر الغربية.
كاتب تونسي