يبدو أن الصدامات بين الولايات المتحدة والصين تزداد وتيرة وخطورة يوماً بعد يوم. وقد ظهرت قضايا الخلاف على السطح بشكل سريع في الآونة الأخيرة، لكن معظمها ليس جديداً.

فردة الفعل الصينية حيال صفقة الأسلحة الأميركية لتايوان كانت متوقعة جداً، ولم يكن فيها أي جديد سوى التهديد بفرض عقوبات تجارية، إذ لا تزال تايوان تعتبر أهم أولوية بالنسبة للسياسة الخارجية الصينية.

وكذلك فإن ردة فعل الصينيين للقاء أوباما بالدلاي لاما في واشنطن، كانت متوقعة تماماً أيضاً.لكن تصريحات الرئيس أوباما ومستشاره الاقتصادي لورنس سامرز، بشأن التلاعب بالعملة والسياسة الميركانتالية التجارية، تختلف قليلاً.

صحيح أنها ليست جديدة تماماً، إذ سبق لوزير الخزانة الأميركية تيموثي غايثنر أن اتهم الصينيين بالتلاعب بالعملة في يناير 2009. لكن، منذ تصريحات غايثنر الطائشة، اختارت الإدارة الأميركية حتى الآن أن تكون أكثر تعقلاً.

وتعتبر قضيتا غوغل والتغير المناخي، تطورين حديثين نسبياً في ملف القضايا الخلافية، لكن لا ينبغي أن تكون تلك النزاعات في جملتها مفاجئة لأحد. فصعود نجم الصين يعني أنها الآن منخرطة في ميادين ومناطق في العالم، لم يكن لها فيها دور يذكر في السابق.

ومع توجه الصين بخطى متسارعة لتصبح قوة عظمى لها مصالح تدفعها وتدافع عنها في مختلف أنحاء العالم، فمن الطبيعي ان تتصادم مع الولايات المتحدة حول عدد متنام من الأمور.

ويبدو الآن أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين في طريقها للدخول في مرحلة مختلفة كلياً. والسؤال الأساسي هنا؛ ما إذا كان هذا سيفضي إلى عداء متنام بين البلدين إلى درجة تلحق أضرارا كبيرة بعلاقاتهما الثنائية؟ أم أنه لن يؤثر على استمرارية علاقاتهما الإيجابية عموماً، التي ميزت العقود الثلاثة الماضية؟!

وهناك تغير أساسي آخر في علاقة البلدين، يتمثل في صعود الصين وانحطاط أميركا. ومع أن كلا الأمرين ليس جديداً، فإن الثاني لم يتبد على الملأ إلا بعد الأزمة المالية العالمية. والتبدل في ميزان القوى بين البلدين في هذا السياق، وصل إلى درجة هائلة. وكانت النتيجة أن الصين غدت الآن أكثر ثقة بالنفس وأكثر جسارة.

ولقد تجلى ذلك بوضوح في الطريقة التي عبرت بها الصين عن قلقها بشأن قيمة الدولار، وأثارت مسألة إيجاد عملة احتياطية جديدة قائمة على حقوق السحب الخاص، وألقت اللوم في الأزمة المالية العالمية على سلوك البنوك الغربية، خاصة الأميركية، وإن كان من الممكن أيضاً أن نفهم هذه الأمور كلها في سياق تحول عام في المواقف الصينية.

لكن من الخطأ افتراض أن هناك تغيراً كبيراً في السلوك الصيني تجاه الولايات المتحدة، فالأولويات الصينية الأساسية، كما حددها دينغ زياو بينغ لم تتغير، والأولوية المهيمنة لا تزال هي النمو الاقتصادي وانتشال عشرات الملايين من مستنقع الفقر.

وبطبيعة الحال، فإن توفير أفضل بيئة خارجية مواتية لتحقيق هذه الهدف لا يزال يتطلب، قبل كل شيء، علاقات مواتية مع الولايات المتحدة.ومع أن الصينيين يتصرفون الآن بقدر أكبر من الجسارة والثقة بالنفس، فإنني لا أرى ما يدل على أنهم تخلوا عن موقفهم المجرب والموثوق. فلقد خدمهم ذلك الموقف بشكل جيد، ولا يزال يخدمهم.

كما أن عامل الوقت في مصلحتهم، ولذلك ليس ثمة ما يمنعهم من ممارسة أقصى درجات الصبر وطول الأناة.

لكن ماذا عن الولايات المتحدة؟ حقيقة أن الولايات المتحدة بدأت الآن فقط تستيقظ لحقيقة أنها آخذة بالانحطاط، مدعاة للقلق.

فهي غير مستعدة أبداً لما قد يترتب على هذا الظرف الجديد، وهو أنه لم يعد في وسعها التصرف مع الآخرين بنفس الطريقة التي كانت تتصرف بها في السابق، ولم يعد في وسعها التعامل بفوقية مع الصين، وأن عليها أن تحاول فهم الصين بشكل أفضل، بدلاً من الإصرار على توقع استمرار الصين في لعب دور التابع.

وهذا الوعي المتأخر لحالة الضعف التي أصابت أميركا، حدث بشكل سريع ومفاجئ جداً، لدرجة أنه من الصعب أن تستوعبه النخب السياسية أو القطاعات الشعبية في أميركا.

بل إن معظم تلك الأطراف لا تزال تنكر هذه الحقيقة، كما ظهر على سبيل المثال من موجة الغضب العارمة المعبر عنها في وسائل الإعلام والأوساط السياسية، احتجاجاً على نبرة التواضع والندم التي تحدث بها الرئيس أوباما مع الصينيين خلال زيارته للصين في نوفمبر الماضي.

والحقيقة أن أوباما كان محقا في نقطتين: أولاً، أن الولايات المتحدة قد تعلمت الآن كيف تتعامل مع الصين بندّية، وثانياً، أن على الولايات المتحدة ألا تنسى دور الصين كدائن لها.

وبعبارة أبسط، فإن المخاوف الكبيرة لا تكمن في توهم الصين أنها أكبر من حجمها الحقيقي، بل في إحساس أميركا المتنامي بالإحباط والمرارة، لمعرفة أنها لم تعد كبيرة كما كانت أو كما ينبغي لها أن تكون، إلى جانب التعنت الأميركي في رفض فهم الصين ضمن أي إطار غير الإطار الأميركي.

ومن هنا فإن العلاقات بين البلدين يمكن أن تتدهور بسهولة، على نحو ستكون له انعكاسات سلبية على بقية العالم. وسيجعل ذلك الأمور أصعب على الصين، وربما يبطئ نموها الاقتصادي، لكن معاناة الولايات المتحدة ستكون أكبر.

لا ينبغي للعقل الأميركي أن يخلط بين الصين والدبابة السوفييتية القديمة «إم كيه 2». فالصين خصم مختلف جداً وأكثر ضراوة بكثير.

وقوتها لا تكمن في عتادها العسكري، بل في براعتها الاقتصادية، وسلاحها الدبلوماسي لا يكمن في استعراض القوة، بل في ممارسة أقصى درجات الصبر والحلم.

مؤلف كتاب «عندما تحكم الصين العالم: نهاية العالم الغربي وولادة نظام عالمي جديد».