شهد السودان الأسبوع الماضي حدثاً سياسياً مهماً، تمثل في توقيع الاتفاق الإطاري بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم. ولم يكن ميلاد هذا الاتفاق عملية سهلة، فقد كان حتى اللحظات الأخيرة مهدداً بالانهيار، ولكن العديد من الأطراف راهن على نجاحه.

فقد كان الرئيس البشير في حاجة انتخابية وسياسية لهذا الاتفاق، وقد عبر عن شعوره بعفوية ولغة سودانية بسيطة، ولكنها تعبر أيضاً عن عمق الأزمة والورطة، حين قال: «انجمينا في انجمينا»! وكلمة «انجمينا» بالدارجة تعني ارتحنا، وهذا يعني أن الرجل كان متعباً ومثقلاً بأزمة دارفور.

وقد تكون الاتفاقية فعلاً استراحة مقاتلين، ثم يكون استئناف القتال أو البحث عن اتفاق أكثر شمولاً. وقد تأخر التوقيع أربع ساعات، وكاد أن يفشل لولا تدارك الوضع في اللحظات الأخيرة. فقد أصرت الحركات التي توحدت مؤخراً في الدوحة تحت مسمى «حركة التحرير للعدالة» برئاسة د. التيجاني السيسي، على أن تلحق بالتوقيع.

وهذا مطلب شرعي ومفيد للسلام، ولكن استراتيجية خليل إبراهيم واضحة، وهي الاستفراد بتمثيل دارفور، على الأقل في هذه المرحلة. وفوّت خليل الفرصة على الفصائل الأخرى.

والصحيح أنه أضاع عمداً فرصة اتفاق أوسع وأشمل. ولكن ضرورات فنية وتحضيرية قدمت على المكسب السياسي، وقد تكون مجرد تبريرات. ففي الواقع يصعب في المرحلة الأخيرة وقبل لحظات من التوقيع، إضافة شركاء جدد.

ورغم الترحيب بأي خطوة نحو السلام، يجب عدم الإفراط في التفاؤل بخصوص هذا الاتفاق الإطاري، فهو مجرد «مقبّلات» دبلوماسية، أي فتح الشهية للتحرك نحو ما هو أكبر. ولكنه يقع في نفس أخطاء اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، والتي نعاني منها حتى اليوم.

فقد أكد اتفاق الدوحة، فرضية تآكل الإرادة الوطنية الداخلية، وأصبح السودانيون يعتمدون تماماً على المدد الخارجي والوساطات الخارجية. فالنظام الإنقاذي ممثلاً في «المؤتمر الوطني»، يصر على عزل القوى السياسية المعارضة وحرمانها من شرف المشاركة في حل مشكلات الوطن.

فقد قدم سياسيون وأحزاب سودانية مبادرات أفضل كثيراً من هذا الاتفاق، ولكن رفضت أو تم تجاهلها لأنها أتت من الصادق المهدي أو من حزب المؤتمر الشعبي. وتتعرض الاتفاقات الآتية من الخارج لكثير من السلبيات.

منها على سبيل المثال ممارسة ضغوط على المتفاوضين في اللحظات الأخيرة، مما ينجم عنه القفز على قضايا مهمة وتفاصيل مؤثرة. ولا بد للسودانيين من التقليل من التأثير الخارجي ومن تدخل الغير في شؤونهم الداخلية.

فهناك انطباع، وقد يكون حقيقة، أن السودانيين عاجزون عن حل مشكلاتهم بأنفسهم. وهذا يعني استحالة حل المشكلات، ببساطة لأن أي اتفاق يحتاج لضمانات تنفيذه، ومهما كان الضغط الخارجي مع غياب الإرادة الوطنية وما يتبعها من مصداقية وبناء ثقة بين الأطراف؛ فإن الفشل مؤكد.

ومن مهددات صمود الاتفاق، كونه امتداداً لسياسات إضعاف الخصم، من خلال سياسات استمر المؤتمر الوطني الحاكم في انتهاجها، إذ لا يوجد ما يستوجب الإسراع ـ قد تكون الانتخابات ـ لذلك كان من الواجب أن تكون الأولوية لتوحيد الحركات في كيان واحد أو اثنين.

فالإجماع ضروري، ويجب ألا يستخدم فيتو حجم ووزن الحركات. ففي رأيي الخاص، وزن أي حركة أو فصيل يقاس بقدرته على تعطيل أو إفشال أو إنجاح أي عمل نحو السلام. وفي هذه الحالة يمكن الوصول إلى برنامج حد أدنى تجتمع حوله الحركات وتتفاوض على ضوئه.

وهذه مسألة ليست مستحيلة، ولكن واقعياً يصعب على المؤتمر الوطني قبولها، فهو الذي ابتدع سياسة «فرّق تسد» في التعامل مع الدارفوريين المقاتلين، حين كان يظن أن الانقسامات سوف تضعف الحركات وبالتالي يمكن الاستفراد بها، فإذا به يواجه بعشرات الحركات والآراء والمواقف، ويتمنى خفية لو توحدت لكي تكفيه شر اللهاث وراءها كما يحدث الآن.

لذلك، لا بد من العمل سريعاً على توحيد كل الحركات وجمعها على برنامج حد أدنى تتفاوض على هديه. سوف يظهر تنفيذ الاتفاق مشكلات كبيرة، إذا لم تتم خطوات التوحيد والإجماع.

فهذا الاتفاق سيكون موقعاً على توقيع، لو صح التعبير. فقد سبق التوقيع مع حركة تحرير السودان ـ جناح مني أركوي، على اتفاقية أبوجا التي اشتملت على مطالب خاصة بكل أهل دارفور.

وقد رفضت الفصائل الأخرى التوقيع، وبالتالي أصبح مني وكأنه الممثل الشرعي والوحيد أمام النظام أو حكومة الوحدة الوطنية. وهذا يعني أن نفس المطالب التي منحت أو وعد بمنحها لمني، تعطى الآن لخليل إبراهيم.

والسؤال المهم: هل يمكن في العمر المتبقي للحكومة الحالية، أن يتم تنفيذ أي اتفاق جديد مع الوفاء بكل الوعود؟ المشكلة الأخرى التي سوف يظهرها الاتفاق، هي هل يمكن لدارفور أن تلحق بانتخابات إبريل القادم، دون الدخول في تعقيدات التأجيل والموقف من التعداد السكاني؟

كل هذه المشكلات يتم التعامل معها بطريقة التجزئة أو السياسة بتجارة القطاعي، إذ تغيب الاستراتيجية التي تشتمل على التوقعات والاحتمالات، بل يبدأ التفكير في القضية عندما تصل أمام الباب! وهنا تظهر العجلة والتخبط والأخطاء.

ومن ناحية أخرى، فإن الحركات مطالبة في هذه الفترة القصيرة بأن تتحول من حركات مسلحة إلى كيانات وتنظيمات سياسية مدنية ـ حزبية، بحيث لا تقع في محنة الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي تفوقها خبرة وتاريخاً.

والحركات التي نرى قياداتها وممثليها في أجهزة الإعلام، تحتاج إلى جهد أكثر لتطوير الأداء وتقديم نفسها بصورة أكثر نضجاً وقدرة على الإقناع. علينا ألا نستهين بمهمة تكوين أحزاب وتنظيمات سياسية دارفورية.

إذا أردنا الاستقرار وتحقيق الغايات التي رفع الدارفوريون من أجلها السلاح. فهذا الانتقال في حقيقته، انتقال ديمقراطي وتنموي كامل، يساهم في مجمل عملية البناء الوطني لكل السودان.

تقودنا الأفكار السابقة إلى تساؤلات مهمة، مثل؛ إلى أي مدى تمتلك حركات دارفور القدرة على التوحد في إطار قومي يعمل من أجل تمتين وحدة السودان وتحقيق نهضته من جديد؟ هل تستطيع الخروج من الجهوية والإقليمية والقبلية، بل والعنصرية، إلى ساحات القومية والمواطنة التي تشمل الجميع؟

نتمنى ألا تكون الحروب والفظائع والانتهاكات، قد ولّدت عنصرية مضادة ومرارات لا يمكن تجاوزها. وفي هذه الحالة تكون الهزيمة قد حاقت بالجميع، لأننا لن نكون قادرين على بناء الوطن المتسامح الذي يسع الجميع، دون أيّ انحيازات إثنية أو عرقية أو ثقافية. وهذا هو أساس السلام المستدام.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com