احتفل العالم في الحادي والعشرين من الشهر الجاري باليوم العالمي للغة الأم، وكانت الأمم المتحدة قد حددت هذا التاريخ لتحتفي كل أمة من الأمم بلغتها الأم على طريقتها الخاصة.

فتباينت مظاهر الاحتفال من بلد إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى. ولسنا معنيين بالكيفية التي احتفلت بها الأمم الأخرى بلغتها الأم، وإنما كيف احتفلنا نحن أمة العرب بلغتنا الأم، وهل ما زلنا بعد كل هذا الجفاء والقطيعة نعدها اللغة الأم؟

إن من يتنكر للغته الأم ولا يعرف لها حقا، يعد في الأعراف والعهود عاقا بها، وإن من يتودد لغيرها ويقدمها على لغته، فليس بارا بلغته الأم، ومن يسمح للأمهات الأخريات بأن ينتقصن من قدر لغته الأم فليس بارا بها، ومن يسيء إلى لغته الأم ويحن إلى أخرى فليس بارا بلغته الأم.

ومن تعلق قلبه بأخرى، ناسيا أو متناسيا ما كابدته لغته الأم عبر قرون من الزمن فليس بارا بها، ومن يخجل من الانتساب إلى لغته الأم خشية أن يوصم بالتخلف والرجعية فليس بارا بها، ومن يتعجل الكفن للغته الأم ليسير في موكب جنازتها وهي على قيد الحياة فليس بارا بها، ومن يبرّ لغة غير لغته الأم طوال أيام العام، ثم يتذكرها في يوم واحد من أيام السنة، فليس بارا بها..

فهل ندّعي بعد هذا كله أننا نحافظ على لغتنا الأم ونبرّها، فنخصها بيوم واحد في السنة لنقدم لها الهدايا المتواضعة على خجل واستحياء، وتعلو خطبنا الرنانة المنابر تمجيدا للغتنا الأم، بينما تشهد أفعالنا بعقوقنا لها!

أليست اللغة العربية هي تلك اللغة الخالدة التي اختارها الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، بلسان عربي مبين لتكون لسان الرسالة السماوية خاتمة الأديان؟ ألم تحافظ اللغة العربية على كيانها وتماسكها قرونا مديدة؟ ألم تسُد العربية زمن الحضارة الإسلامية وتستوعب العلوم كلها؟

لماذا تناسينا تهافت الأمم الأخرى على تعلم اللغة العربية لتنال بها الحظوة، والجاه، والمنزلة العلمية الرفيعة؟ هل زعم أحد غير هذا؟ أم ترانا أيقنا بأن لغتنا العربية قد هرمت ونخر الدهر أساساتها ومقوماتها، فما عادت تستطيع مواكبة عصرنا الحديث؟!

إن لغتنا العربية ما ضعفت وما هرمت، بل نحن من ضعفنا وفقدنا ثقتنا في أنفسنا وفي لغتنا، حتى تترجم ذلك واقعا ملموسا ومُشاهدا في حياتنا وفي كل خطواتنا وقراراتنا، فرأينا أمما أخرى بعين المغلوب تسمو نحو العلياء، فتهافتنا خلفها مُدبرين عن لغتنا وقد خلفناها وراء ظهورنا تشكو وتئن.

ورحم الله العالم والفيلسوف المسلم العربي ابن خلدون، الذي شخص هذه الحالة بقوله: «إن المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب...

والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به».

لغتنا ليست بحاجة إلى أن نخصّها بيوم في العام لنحتفل بها تحت أي شكل كان، ثم نولّيها بعد ذلك الأدبار العام كله، بل من الواجب علينا رعايتها الدهر كله، وأن نمد جسور التواصل معها، ونصل رحمنا بها، طالما أن هناك قلبا ينبض، ورئة تعشق الهواء العليل، وطالما أن هناك يوما جديدا..

كما أنه من الإنصاف أن نمنح لغتنا فرصة إثبات الذات في عصر العولمة، لتبرهن أنها قادرة على مجاراة هذا العصر، بكل ما فيه من علوم وتكنولوجيا وأبحاث وفنون، فلننطو تحت لوائها لننعم بالأمن، ولننهل من ينابيعها الصافية.

لا أن نودعها بطون الكتب والمصنفات، ونكمم أفواهها بلغات أخرى، ونحصرها في لغة المنابر والمناسبات، فلا يكتب لها أن تدوم إلا كما يدوم قالب الثلج فوق صفيح ساخن.

كاتب إماراتي

saifmahrouqi@yahoo.com