رغم أن البعض قد يعتبره شأناً داخلياً يخص مواطني تلك الدول، إلا أنني أجد متعة في متابعة أخبار الانتخابات التي تحدث في بعض بلداننا العربية، خاصة تلك التي ترتفع فيها نبرة ركوب موجة الديمقراطية أو محاولة ارتداء ثوبها، وغالباً لبس قناعها، حتى لو كان هذا القناع زائفاً ومقلداً تقليداً سيئاً.
وأقرب انتخابات نترقبها، أو يترقبها بعض شعوبنا العربية، هي انتخابات العراق التي ستجرى يوم السابع من الشهر الجاري، وانتخابات السودان التي من المقرر إجراؤها في شهر إبريل المقبل.
ثم انتخابات الرئاسة المصرية التي ستجرى في شهر سبتمبر من عام 2011 وتكتسب نجومية من نوع خاص، نظراً لموقع مصر ووزنها، والجدل الدائر منذ فترة حول الرئيس القادم، وما تطرحه هذه الانتخابات من تساؤلات وقضايا يعرفها الجميع مما لم يعد من المسكوت عنه.
ولست معنياً في الواقع بمن سيذهب ومن سيأتي، ليس تقليلاً من شأن هذا أو انتقاصاً من شأن ذاك، ولكن لأن التعرض لتكهنات من هذا النوع، سيقتضي منا الدخول في تفاصيل يكمن في داخلها الشيطان، وسيضطرنا إلى الخروج عن موضوعنا وتجاوز خطوط حمراء من غير المسموح تجاوزها.
ما يلفت النظر ونحن نتابع أخبار ما قبل هذه الانتخابات، هو مدى الأريحية التي تحل فجأة على المرشحين وتنقلهم من مرتبة البشر إلى مراتب قريبة من الملائكة، ونوبة الوطنية التي تجتاحهم على حين غرة، فتصبح مصلحة الوطن هي همهم الأول والأكبر، يسهرون الليالي الطوال عليها.
لا تغمض لهم عين إذا أحسوا، مجرد إحساس، بأن هناك مواطناً في أقصى بقعة من أرض الوطن ينام بلا عشاء، إلا لدواعي الريجيم والرشاقة بالطبع، أو أن هناك شارعاً في قرية نائية ـ لم يسمعوا بها إلا مع اقتراب الانتخابات ـ بحاجة إلى رصف، أو أن هناك تسرباً في صنبور مياه بدورة مياه عامة، يحتاج إلى إصلاح حفاظاً على الثروة المائية التي هي من مقدرات الوطن والأمة.
ثم تأتي بعد هذا عملية تفصيل المنصب على المرشح الأقوى، والذي هو غالباً الممسك بتلابيب السلطة قبل إجراء الانتخابات، شاء من شاء وأبى من أبى، فيبدأ تفصيل الثوب المناسب للمرشح الأقوى، كي يمر من بوابة العبور إلى الكرسي الذي أصبح قدره أن يجلس عليه مرشح العناية الإلهية التي لا راد لقضائها.
وعن هذه العملية حدّث ولا حرج، ففيها تفاصيل تدعو إلى العجب، وتزلزل أركان أرسخ الدساتير وأعرقها فتغير ملامحها في لمح البصر، وفيها شواهد تدفع البعض إلى التخلي عن بعض مناصبهم، تطلعاً إلى المنصب الأكبر الذي يستحق بعض التضحيات الصغيرة، طالما أنها ستمهد الطريق إلى المواقع الكبيرة.
في السباق نحو الكراسي بمختلف درجاتها، يصبح المتسابقون أرق حاشية وأعذب حديثاً وألطف معشراً، حتى لو كان تاريخ المرشح وواقعه يقول خلاف ذلك. ففي حوار أجرته إحدى القنوات العربية.
مع مرشح لانتخابات برلمانية سوف تجرى قريباً في دولة عربية، سألت المذيعة المرشح الذي يشغل منصب وزير الداخلية في الحكومة الحالية، عن أبرز إنجازاته، فقال بكل ثقة: إنه الأمن الذي أصبح يشعر به كل مواطن منذ أن توليت الوزارة!
علماً بأن هذا البلد يشهد كل مطلع شمس تفجيراً لسيارة مفخخة، أو هجوماً انتحارياً يذهب ضحيته عشرات وربما مئات المواطنين، وتتسلح فيه النساء بالسكاكين والمسدسات لحماية أنفسهن من التحرش والاغتصاب.
كل ذلك والوطن يستظل بمظلة الأمن الذي يتحدث عنه الوزير المطروح اسمه لتولي رئاسة الوزارة فيما لو فاز في الانتخابات المقبلة، وهل رأيتم بربكم وزير داخلية (في دولة عربية) يرشح نفسه في انتخابات ولا يفوز؟!
هذا واحد من المشاهد الطريفة التي تدفع المرء إلى متابعة الانتخابات في بلداننا العربية، وعلى شاكلتها الكثير، ففي إحدى الدول العربية أيضاً أعفى رئيس الجمهورية نفسه من منصب القائد العام للقوات المسلحة، وتقاعد من وظيفته العسكرية فقط ـ وليس رئاسة الجمهورية ـ تماشياً مع قانون الأحزاب السياسية الذي يمنع ترشح أي شخصية عسكرية لمنصب رئيس الجمهورية.
وأنا شخصياً أحترم هذا الرئيس، لأنه اختار الطريق الأقل اعوجاجاً والأخف ضرراً، فلم يقم بتغيير القانون كما فعل غيره، وقد كان بإمكانه أن يفعل ذلك، خاصة وأنه قد جاء عن طريق انقلاب عسكري أطاح بحكومة رئيس منتخب، ولكن للرؤساء في السباق نحو الكراسي شؤون.
وهكذا تتوالى المشاهد الانتخابية في انتظار المشهد الأكثر إثارة الذي ينتظره الجميع، وهو السباق نحو كرسي الرئاسة المصرية، حيث يحتشد عدد كبير من الأسماء التي قد ترشح نفسها أو يرشحها الجمهور، مثل المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي.
الذي عاد إلى مصر مؤخراً لتتلقفه وسائل الإعلام المصرية في حوارات لا تنتهي حول هذا الموضوع، ومثل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999 الدكتور أحمد زويل، ومثل وزير الخارجية المصري الأسبق وأمين عام جامعة الدول العربية حالياً عمرو موسى..
إلى بقية القائمة الطويلة من الأسماء التي تعرف حظوظها من النجاح والفشل، ليبقى الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات قبل أن يغلق الباب وتفتح الستارة على البطل الذي قد يقلب كل التوقعات.
إنها غواية الانتخابات التي تجر إليها المتسابقين نحو كراسي السلطة من المفتونين بها، والجالسين على كراسي المتفرجين من أمثالنا، لتثبت لنا أن متابعة الانتخابات في بلداننا العربية، أكثر متعة من مشاهدة المسلسلات التركية والمكسيكية.