ماذا يجري في إطار ما يعرف بالثنائية القطبية الناشئة، الثنائية التي تجمع بين الولايات المتحدة الأميركية والصين الشعبية، بين أكبر دائن وأكبر مدين، بين ما سماه زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر بمجموعة الاثنين التي يمكن أن تغير العالم.
ثلاث أزمات متتالية انفجرت على الخط بين واشنطن وبيكين: أولًا، صفقة الأسلحة الأميركية لتايوان وهو ما تعتبره بكين مسّاً بمصالحها الاستراتيجية الحيوية فالتعامل مع تايوان خط أحمر واستفزاز مباشر لبكين، وتجارب الماضي تدل على ذلك، فما بالك إذا كان يقوم على الدعم العسكري.
ثانياً، استقبال الرئيس الأميركي للزعيم الروحي للتيبت الدالاي لاما الذي تعتبره الصين تدخلًا في شؤونها الداخلية، وهو يثير حساسية صينية كبرى. وثالثاً، ما يمكن وصفه «بحرب الغوغل» التي تعكس أكثر مما هو ظاهر في لعبة القط والفأر بين الطرفين.
الولايات المتحدة تدفع لحدوث انكشاف واسع ومفتوح عبر الشبكة المعلوماتية في الصين مقابل تمسك الصين بشعار السيادة المعلوماتية والاقتصادية والتجارية.
إنها معركة بين مفهومين وفلسفتين للدولة وللمجتمع وللاقتصاد. ويعترف المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لورانس سامرز بأن هنالك اعتبارات اقتصادية مهمة، وليس فقط قانونية وأخلاقية في هذه المعركة.
إثارة هذه الأزمات من طرف واشنطن وراءه من جهة غضب أميركي من الموقف الصيني من مسألة النووي الإيراني، وكذلك من عدم تجاوب الصين الشعبية مع الكثير من المطالب الأميركية التي اعتبرت واشنطن أنه يكفي حصول سياسة اليد الممدودة تجاه الصين حتى تتجاوب الصين مع المواقف الأميركية، عنصر أميركي آخر يدخل في سياسة هذه الأزمات ويتعلق بحسابات أميركية داخلية ورغبة أوباما بأن لا يظهر في مظهر المتردد والضعيف وغير المعني بقضايا حقوق الإنسان.
وعلى صعيد آخر تدرج فصلية «فورين بوليسي» ما تعتبره لائحة الخلافات الست بين واشنطن وبكين وهي تضم مسألة التغيير المناخي والاحتباس الحراري، وقد شهدنا اتفاق اللحظة الأخيرة في كوبنهاغن بين الطرفين، والتيبت، وتايوان، وما تسميه واشنطن «علاقة الصين الشعبية بالدول المارقة» مثل كوريا الشمالية وإيران، ثم التنافس العسكري وسباق التسلح بين الطرفين مع ثورة التحديث الثانية التي أطلقتها الصين الشعبية في ما يتعلق بقواتها المسلحة إلى جانب بالطبع الخلافات الاقتصادية العديدة.
لكن الموضوع أكبر من خلافات حول ملفات معينة أياً كانت أهمية هذه الملفات وحيويتها، بالنسبة لهذا الطرف أو ذاك فالقوة الأعظم الأميركية في تراجع في قدرتها على الهيمنة وحيدة أو شبه وحيدة في مختلف المسائل العالمية الرئيسة، ولو اختلف المراقبون حول حجم هذا التراجع أو سرعته في حين أن القوة الصينية صاعدة وفي تمدد وبشكل خاص عبر الدبلوماسية الاقتصادية.
بعض الأرقام تدل على وضع القوة العظمى الثانية في العالم: فالصين الشعبية استثمرت خارج القطاع المالي نحو 3 ,43 مليار دولار في العالم وخاصة في استخراج المواد الأولية الضرورية لنمو الصناعة الصينية، والصين تمثل حالياً المحرك الاقتصادي الأساسي في العالم. وقد صارت المصدر الأول قبل ألمانيا وستحتل قريباً مركز القوة الاقتصادية الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة ومكان اليابان.
وتمتلك الصين 755 مليار دولار من سندات الخزينة الأميركية قد يرى البعض في هذه العلاقة انكشافاً أميركياً على الصين أو اعتماداً صينياً على الاقتصاد الأميركي والرأيان صحيحان، ويقدمان جزءاً من الصورة التي تعكس في حقيقة الأمر علاقة اعتماد متبادل شديدة الكثافة والأبعاد بين الطرفين. فالصين التي كان هنالك اعتراض على دخولها مجموعة الثمانية صارت اليوم عضواً في مجموعة الاثنين.
وتتطلع الصين لعالم متعدد القطبية ولو أنها تتطلع لأن يكون هذا العالم أحادي القطبية أو صيني القيادة في المسرح الآسيوي. وتبقى الدبلوماسية الاقتصادية وانتشارها في أقاليم مختلفة في العالم ورقة أساسية في بناء القوة والنفوذ والهيبة الصينية. ولكن مقابل ذلك تبقى هنالك العديد من الأسئلة والتساؤلات حول الدور الصيني في صياغة عالم الغد وكذلك حول الأجندة الصينية على الصعيد العالمي.
وللتذكير فرغم هذه النجاحات مازالت تعتبر الصين الشعبية تعتبر دولة نامية، إذ لا يتجاوز نسبة الدخل الفردي 3600 دولار في حين انه يصل إلى حدود 500 ,46 دولار في الولايات المتحدة ولا تمثل الصين أكثر من 7% من الناتج الداخلي الخام العالمي.
وتدرك الصين أن إنجازاتها تحمل في الوقت ذاته توترات مع الجيران الكبار في آسيا مثل الهند واليابان ومع المنافس التاريخي، روسيا الاتحادية، كما أنها تخلق مزيداً من التوترات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل مع ازدياد الشروخ الطبقية، هذه هي بعض نقاط الانكشاف الصيني.
لكن يبقى السؤال قائماً أيضاً حول منظومة القيم الدولية التي ستحاول أن تدفع بها الصين الشعبية فهل ستنتمي كلياً إلى المنظومة «الغربية الرأسمالية الديمقراطية» أم ستحاول أن تدفع بمنظومة بديلة تعبر بشكل أفضل عن الخاصية التاريخية والحضارية الصينية وتكون أكثر قبولًا وجاذبية في الدول النامية وفي العالم غير الغربي. هل ستكون الصين الشعبية قاطرة تغيير اللعبة الدولية مستقبلًا وقواعدها أم ستكون قطب الممانعة أمام محاولات ترسيخ قواعد النظام الغربي على الصعيد العالمي.
كلها أسئلة لا توجد لها أجوبة في اللحظة الحالية. لكن حقيقة الأمر أن النظام الاقتصادي العالمي الذي يتبلور وباختصار النظام العالمي الذي سيتبلور يعتمد بشكل خاص على الخيارات الاستراتيجية والقيمية الصينية وعلى طبيعة العلاقات التي ستستقر بين بيكين وواشنطن
فهل ستكون علاقات شراكة استراتيجية تتحمل الخلافات في بعض القضايا أياً كانت أهمية هذه القضايا أم تكون علاقات تنافس وصدام استراتيجي. هذه أسئلة لرسم المستقبل غير البعيد تتعلق الإجابة عليها بالصين بشكل خاص لكن نتائجها ستكون على المستوى العالمي.
كاتب لبناني