الكفاءة المهنية الرائعة التي تجلت في عمل أجهزة شرطة دبي وهي تكشف خبايا جريمة اغتيال المبحوح، ليست فقط هي ما ينبغي الوقوف عنده، ولكن أيضاً، وأولاً، الإرادة السياسية الصلبة التي أصرت على كشف كل الحقائق ومتابعة القضية حتى نهايتها، ووضع كل الأطراف ـ مهما كانت ـ أمام مسؤولياتها، ومطاردة الجناة، مهما كانت مراكزهم وجنسياتهم، حتى يأخذ العدل مجراه.
وفي هذا الصدد، فمن الطبيعي أن تكون هناك ضغوط من الأطراف المتورطة، خاصة بعد ثبوت استخدام جوازات سفر سليمة من دول أوروبية عديدة، تتقدمها بريطانيا ومعها فرنسا وايرلندا وألمانيا، بالإضافة إلى أستراليا، وما يطرحه ذلك من أسئلة (داخل هذه الدول وخارجها) حول علاقة «الموساد» بأجهزة المخابرات في هذه الدول، ومدى تعاونها مع «الموساد»، الذي أكد الفريق ضاحي خلفان، بما تحت يده من معلومات، أنه مرتكب الجريمة بنسبة 99%، أو تعرضها لعمليات اختراق أو احتيال من جانب المخابرات الإسرائيلية.
طبيعي أن تكون هناك ضغوط، وأن تفضل أطراف كثيرة متورطة في القضية أن تتعامل معها بعيداً عن الأضواء، حتى لا تتحول الجريمة إلى قضية رأي عام داخل هذه الدول، وإلى تساؤلات حول إساءة إسرائيل للعلاقات بينها وبين هذه الدول، وحول الخطوات المطلوب للرد على هذه الإساءة وللمحاسبة على ما وقع من تجاوزات، وضمان ألا يتكرر توريط هذه الدول، ولو من وراء ظهرها، في جرائم مرفوضة ومدانة من العالم كله، وفي المقدمة مواطنو هذه الدول الذين يعرفون جيداً الآثار السيئة لما فعلته إسرائيل بجريمتها، على سمعة بلادهم وعلى مصالحهم الشخصية.
وقد كان الرد هو القرار الحاسم برفض كل هذه الضغوط، وبالمضي في التحقيق حتى نهايته وكشف كل الحقائق. ولم يكن ذلك فقط لإثبات القدرات الرائعة لأجهزة شرطة دبي، وإنما كان القرار رسالة لكل الأطراف بأن أمن الوطن ليس محل مساومة، وأن أي محاولة للعبث به سوف تواجه بكل حسم، وإذا كانت هذه الرسالة مطلوبة في الظروف العادية، فهي مطلوبة أكثر في هذه الظروف التي تموج فيها المنطقة بكل الاحتمالات، وتدخل فيها الصراعات الإقليمية مرحلة بالغة الخطورة.
من جانب آخر، كان هناك أيضاً من ينصح بإغلاق الملف، ولكن من باب الحرص على مصلحة دبي كما يراها (!)، وبزعم أن طول الحديث عن الجريمة لن تكون آثاره إيجابية على التجارة والسياحة والنشاط المالي، التي تحتل دبي مركزاً متميزاً فيها جميعاً، ليس فقط على مستوى المنطقة، بل على مستوى العالم كله.
وبغض النظر عن أن أمر الوطن لا يمكن أن يكون محل مساومة، فإن معجزة دبي الاقتصادية ما كان لها أن تقوم إلا على قاعدة راسخة من الاستقرار والأمن، وما قدمته شرطة دبي بإنجازها الرائع في كشف أسرار جريمة اغتيال المبحوح ومتابعتها، هو رسالة للجميع بأنها ستبقي المكان الآمن القادر على توفير الحماية لمواطنيه ولضيوفه، والقادر على تحقيق البيئة الآمنة المستقرة التي تنمو فيها التجارة ويزدهر فيها الاقتصاد، ويتدفق عليها السياح والمستثمرون وهم يدركون أن اللعب في الممنوع لا مكان له، وأن أمن الوطن فوق كل اعتبار.
ويبقى هنا أن نؤكد الفرصة الثمينة التي أتاحتها دبي، أمام القضية الفلسطينية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها. لقد أتاح الإصرار على كشف كل الحقائق والتعامل معها بكل شفافية، أن تحول الأمر أمام الرأي العام الأوروبي إلى فضيحة كاملة لإسرائيل.
كما وضع العلاقات بين الكيان الصهيوني وبين الدول الأوروبية التي تم توريطها في هذه الجريمة في مناخ الأزمة، ووضع التعاون بين الموساد وأجهزة المخابرات الصديقة له محل تساؤل، والمهم هنا أن يتحرك العرب وأن يتحرك الفلسطينيون، في مواجهة تحرك إسرائيل لمحاصرة الفضيحة ومنع كرة الثلج من أن تكبر.
المطلوب أن نتحرك، فلسطينياً وعربياً، لكي يتحول تساؤل الرأي العام في هذه الدول، إلى إدانة واضحة لسلوك إسرائيل في استباحة دماء الفلسطينيين وفي عدم احترام سيادة الدول، وفي الإساءة لمواطني هذه الدول الأوروبية ووضعهم موضع الشبهات. والمطلوب أن نتحرك، فلسطينياً وعربياً، تجاه الحكومات الأوروبية مستغلين «حالة التلبس» التي وقعت فيها إسرائيل، وما يثيره استخدام جوازات السفر الأوروبية في الجريمة، لدفع هذه الحكومات لتحمل مسؤولياتها أمام شعوبها أولاً، وأمام العالم بعد ذلك.
التحرك فلسطينياً وعربياً، مطلوب ومتاح بعد الفضيحة التي كشفت دبي أبعادها، والرسالة لن تتوقف فقط عند المسؤولية عن اغتيال المبحوح، بل ستكون أشمل، لأنها لا بد أن تنتهز الفرصة لكي تضع أوروبا (شعوباً وحكومات) أمام الجريمة الأكبر التي تمضي إسرائيل في ارتكابها، حين تسد كل السبل أمام أي تحرك نحو السلام، بل وتعمل بإصرار لدفع الأمر إلى حرب دينية واسعة النطاق، بقرارات مثل وضع الحرم الإبراهيمي ضمن تراث إسرائيل، وبالمضي في تهويد القدس.
كاتب صحفي مصري