حسناً ما فعلته شرطة دبي فيما يتعلق بقضية اغتيال القيادي من حماس على أرضها، وكل الإشادة تذهب لجميع القائمين على هذا الملف الذين جعلوا دبي من جديد في واجهة الأخبار العالمية، ولكن بشكل إيجابي وبطريقة يفتخر بها ليس فقط كل إماراتي، وإنما كل عربي يبحث عن نموذج عربي ناجح في ظل الإحباط العربي الناتج عن الكثير من الإخفاقات في التعامل مع الكثير من الموضوعات بشكل مسؤول وشفاف.
والحقيقة هي أن تعامل دبي بل ودولة الإمارات بأجهزتها الاتحادية المعنية مع هذا الملف بالطريقة التي شاهدناها ونشاهدها لا يمكن أن يكون مثار استغراب وتعجب، بل هي الطريقة التي ما كان للإمارات أن تتبع سواها بغض النظر عن هوية الأطراف الداخلة في حيثيات هذه القضية.
فملف اغتيال القيادي الحمساوي أو أي اغتيال لأية شخصية مهمة لا يمكن أن يمر مرور الكرام من دون أن يكون للإمارات موقف واضح وصريح تجاهه؛ وبالتالي فإن الموقف الإماراتي القوي جاء بمثابة رسالة موجهة من الإمارات للعالم مفادها التالي:
أولاً، لا يمكن لدولة الإمارات أن ترضى لنفسها بأن تكون مسرحاً لتصفية حسابات الآخرين؛ فإذا كانت لإسرائيل في هذا المقام رغبة في تصفية حساباتها مع قيادات فلسطينية فإن دبي أو أية مدينة إماراتية أخرى لا يمكن أن تكون المسرح الذي يمكن لها أن تعمل من خلاله؛ فالسكوت لن يكون في مصلحة الإمارات على الإطلاق، بل سيفتح المجال لكل من لديه حسابات لتصفيتها مع بعض الجهات والأطراف والشخصيات بأن يجد مدينة كدبي فرصة لتحقيق ذلك.
فهي إذاً رسالة موجهة لكل من تسوّل له نفسه في انتهاك سيادة الإمارات بأن الإمارات لن ترضى ولن تسمح لمثل هؤلاء الأشخاص والأطراف الدولية المختلفة بالعمل بشكل حر ـ كما يعتقدون - لتحقيق أهدافهم غير الإنسانية في بلد أسس لنفسه نهجاً يكون من خلاله بلد الخير والأمن والأمان للجميع.
فمن يريد تصفية حساباته مع الآخرين فليذهب بعيداً عن الإمارات، وإلا ستكون الإمارات بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه تماماً كما فعلت دبي بكل فخر واعتزاز من خلال تعاملها مع ملف اغتيال القيادي الحمساوي، الذي نجحت من خلاله البنية الأمنية التحتية في تحقيق النجاح في التعرف إلى الجناة.
فلا أحد يستطيع أن يسلم من كل ما هو موجود في دبي من وسائل تضمن تحقيق الأمن والاستقرار. فهي رسالة واضحة موجهة من الإمارات إلى العالم بأسره كي يدركها كل الإدراك بأن تصفية الحسابات لا مكان لها على أرض الإمارات.
ثانياً، إن دبي مدينة بنت لنفسها سمعة كبيرة على أنها مدينة سياحية ونقطة تواصل بين شعوب العالم، وهذه السمعة لا يمكن لها أن تبقى كما هي عليه ذات مصداقية إن تجاهلت دبي عمليات الاغتيال والقتل التي يمكن أن تحصل على أرضها. فالشعور بالأمن والأمان لدى جميع مرتادي هذه المدينة الحالمة للتفوق إنما هو جزء أساسي من بقاء نموذج دبي قائماً ومزدهراً.
لذلك فإن دبي دائماً نجدها متفوقة في هذا المجال والدليل عمليات الاغتيال والقتل التي تمت في السابق بدوافع تصفية الحسابات والتي نجحت دبي في إبرازها بكل شفافية ونجاح. فالأمن والأمان هما العملة الصعبة لدبي وللإمارات الأخرى التي لا يمكن أن تقبل بتراجع قيمتها على الإطلاق.
ثالثاً، إن ما فعلته الإمارات هو رسالة واضحة لإسرائيل مفادها بأن اعتقادكم بأن فعلتكم غير المسؤولة وغير الأخلاقية هذه ستمر مرور الكرام من قبل السلطات الإماراتية كما مرت الكثير من الأفعال التي قمتم بها في دول أخرى إنما هو اعتقاد ليس في محله، ولا يمكن لدولة الإمارات أن تسمح لإسرائيل في هذا المقام أن تنتهك سيادتها بالطريقة التي تمت من دون أن تكون هناك مسؤولية ملقاة على عاتقها.
فالإمارات أرسلت رسالة واضحة للسلطات الإسرائيلية بأنكم إن كنتم تفتخرون بأن أجهزتكم الأمنية قادرة على اختراق سيادة دول وانتهاكها ومن ثم الخروج منها كالشعرة من العجين، فإن الوضع مع السلطات الإماراتية مختلف ولن يكون مقبولاً على الإطلاق التسليم بهكذا فكر؛ وإن كانت سلطات الدول الأخرى قد تتجاهل موضوعات اختراقكم لسيادتها خشية من تداعيات هكذا موضوع، فإن الإمارات ليس لديها ما تخشاه على الإطلاق، بل إن يدها ناصعة البياض ولا يمكن أن تقبل بمثل هذه الأفعال أن تحدث على أرضها، بل وأن مرتكبي مثل هذه الأحداث يجب أن يتم الإشهار بهم ومحاسبتهم على ما ارتكبوه.
وأخيراً وليس آخراً، هي رسالة للدول الغربية الصديقة لدولة الإمارات بأن الإمارات لا يمكن أن تقبل إساءة استخدام بعض الجهات للمعاملة الخاصة التي تقدمها دولة الإمارات لرعايا تلك الدول فيما يتعلق بتأشيرات الدخول لأرضها. فعلي هذه الدول أن تحترم بشدة الالتزامات القائمة بينها وبين الإمارات فيما يتعلق بتأشيرات الدخول للدولة من خلال معاقبة الجهات التي أساءت استخدام الجوازات الغربية.
ففي النهاية فإن مثل ذلك العمل لا يعد فقط انتهاكاً لسيادة دولة الإمارات وإنما أيضاً انتهاكاً لسيادة الدول الغربية التي تم التلاعب بجوازاتها بطريقة غير شرعية. فالسكوت عن مثل هذا الأمر لا يمكن اعتباره أمراً صحياً ومقبولاً وإنما لابد من معاقبة الجناة، ولا يكفي فقط استدعاء السفير أو التخاطب مع الوزير المعني لدولة معينة وإنما العمل على كشف الجناة والقبض عليهم ومعاقبتهم على ما قاموا به وضمان عدم تكرار ذلك.
إن ما قامت به السلطات الإماراتية لم يكن بداعي الدعاية والترويج، وإنما كان قائماً على قناعة مفادها أن الإمارات دولة ترحاب، ولكنها في ذات الوقت دولة عصية على كل من تسول له نفسه المساس بمكتسبات الوطن؛ فكل التوفيق لجميع القائمين على أمن وأمان هذه الدولة التي لن نقبل جميعاً الإساءة لترابها الغالي.
جامعة الإمارات العربية المتحدة
