إن التعليم هو الأساس في التقدم، والتخطيط للمستقبل، ولعل التجربة اليابانية في القرن الماضي مثال حي لأهميته في النهوض بالأمم، إلاّ أن الواقع العربي ما زال يرزح تحت كابوس الأمية ونعني بذلك أمية القراءة والكتابة، ومن عجيب الأمور تزايد نسبة الأمية، حيث بلغت 70% في بعض الدول العربية، اعتماداً على النمط التقليدي والمعتمد على القراءة والكتابة، فما بالك لو عمدنا إلى معرفة الأمية باستخدام التقنية الحديثة وخاصة الانترنت، وهي المعايير التي تحسب الأمية على أساسها في عالمنا المعاصر.

فإن هذه النسبة ستكون أعلى بكثير من تلك النسبة، وقد بينت بعض الدراسات أن دول مجلس التعاون بشكل عام، ودولة الإمارات هي التي تتقدم في استخدامها للتكنولوجيا المتقدمة، ومع ذلك فإن هذا الاستخدام لا يرضي طموح المتطلعين إلى احراز تقدم حقيقي في تلك المجتمعات.

إن الضحية الأولى لهذه الأوضاع هم الطلاب وبشكل واضح، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المنافسة في سوق العمل تعطي الأولوية لمن يمتلك المعرفة في المجال التكنولوجي، وفي ظل الاعتماد على القطاع الخاص في إدارة دفة الاقتصاد في كثير من الدول بعد تراجع دور القطاع العام وفي اللجوء إلى الخصخصة في الدول التي ساد فيها القطاع العام في منتصف القرن الماضي، وهذا لا يعني أن القطاع العام لا يهتم بهذا الجانب.

إن هذه المسألة تجعل من التحدي، الاختبار الأول لمواكبة العيش في القرن الجديد، وفي ظل التنافس العالمي وسيادة قوة امتلاك المعلومات والتكنولوجيا.

من هنا جاءت رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حول استراتيجية وزارة التربية والتعليم خلال عقد من الزمان، والتي تترافق أيضاً مع مرور نصف قرن على قيام الدولة الاتحادية، والتي أكد فيها على التركيز على الطالب، أي الإنسان والذي سيقوم مستقبلاً بقيادة دفة العمل في كافة المجالات في الدولة.

إن الإعداد الجيد للكوادر الوطنية هو الضمان لهذا المجتمع، آخذين بعين الاعتبار أن الاستراتيجية تهدف إلى ردم الفجوة بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة، ولعل هذه اللفتة الكريمة من سموه جاءت بعدما اتضح أن معظم المسؤولين الحكوميين، وقسما كبيرا من المواطنين العاديين قد أدخلوا أبناءهم في مدارس خاصة، مع التكاليف الباهظة والأقساط المرتفعة التي يتكبدها الآباء الذين يدخلون ابناءهم في تلك المدارس، مع أن بعضهم قد يكون من محدودي الدخل، إلا أن هؤلاء الآباء يفضلون الاستثمار في الإنسان لأنه أفضل استثمار.

وقد أكد سموه بهذه المناسبة على أربعة عناصر ذات علاقة مباشرة بهذه العملية:

أ) العنصر الأول: متحدون في الطموح والمسؤولية.

1 ـ الأسرة المتماسكة المزدهرة.

2 ـ الصلات الاجتماعية القوية والحيوية.

3 ـ ثقافة نابضة بالحياة.

ب) العنصر الثاني: متحدون في المصير

1 ـ المضي على خطى الآباء المؤسسين

2 ـ أمن وسلامة الوطن

3 ـ تعزيز مكانة الإمارات في الساحة الدولية.

ج) العنصر الثالث: متحدون في المعرفة والإبداع

1 ـ الطاقات الكامنة لرأس المال البشري المواطن.

2 ـ اقتصاد متنوع مستدام

3 ـ اقتصاد معرفي عالي الإنتاجية

د) العنصر الرابع: متحدون في الرخاء

1 ـ حياة صحية مديدة

2 ـ نظام تعليمي من الطراز الأول

3 ـ أسلوب حياة متكامل

4 ـ حماية الطبيعة.

إن قراءة متأنية لهذه العناصر تجعلنا ندرك أن هذه الاستراتيجية هي الرؤية العلمية لتطوير مجتمع الإمارات، والاستفادة من انجازات المرحلة الماضية من الدولة الاتحادية، ومن الواضح أن العناصر الأربعة هي الخطة التنموية للدولة، وهي في الوقت ذاته إدراك لما عليه الحالة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

التركيز على الإنسان هو خطوة نحو المستقبل، والتعليم هو مفتاح التقدم لكل الأمم، الإمارات أنجزت الكثير في السنوات الماضية التي أعقبت نشوء الدولة، والأبراج الشاهقة والشوارع الواسعة والمطارات الكبيرة والمستشفيات التي تضاهي بمعداتها وبنيانها أرقى المستشفيات في العالم، وغير ذلك كثير من الانجازات الكبيرة والتي تحتاج إلى كوادر وطنية متعلمة لإدارتها، ومن هنا فإن الإمارات اليوم بحاجة إلى بناء الإنسان المبدع الذي يستطيع أن يستخدم هذه الانجازات، ويحافظ عليها ويطورها.

وهذا الإنسان لا يصنع إلا عبر استراتيجية تعليمية تلغي الحفظ والتلقين والجمود خلف ظهرها، وتعتمد الابتكار والتقنيات الحديثة والفكر المتقدم المستقبل لكل الأفكار الحديثة بل والصانع لتلك الأفكار، لأنه لم يعد كافياً أن نجتر أفكاراً لم تتغير من عدة قرون، كما لم يعد مناسباً ألا تكون لنا أية إضافة على الفكر الإنساني المعاصر، فنحن لن نرضى أن نظل مستهلكين جيدين للحضارة وانجازاتها، بل لابد من أن نكون مشاركين في صنعها ومفتاح ذلك كله التعليم.

من هنا فإن دعم هذه الاستراتيجية ووضع المبادرات الخلاقة لتنفيذها تظل مسؤولية جميع المثقفين الذين طالما تطلعوا إلى مستقبل يكون فيه التعليم عصرياً وبعيداً عن التعصب والتقليد، ورجاؤنا أن يتسع صدر المشرفين على تلك الاستراتيجية لجميع الأفكار التطويرية ولكل الجهود المخلصة لأبناء الوطن الذين نهلوا الكثير من العلوم من مصادر متعددة، وبات عليهم اليوم أن يشاركوا بجد وفاعلية بأن يصنعوا لهذا الوطن تعليماً عصرياً يضاهي التجارب المتقدمة في العالم.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com