حالفني الحظ أن أكون في دولة جنوب إفريقيا خلال احتفالاتها بمرور 20 عاماً على تحررها من سياسة الفصل العنصري «الابارتهيد»، ففي الثاني من فبراير 1990 جاء قرار الرئيس الأبيض للبلاد دو كليرك والذي يمثل الهولنديين وهم حكام الأرض حين ذاك، وعلى نحو فاجأ الجميع بإطلاق سراح المناضل الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا والذي كان يقبع خلف قضبان سجن «جزيرة روبين» والتي تبعد عن شواطئ مدينة كيب تاون ما يقرب من 40 كيلو مترا تقريبا، الجزيرة كانت تستخدم فيما مضى باعتبارها مستعمرة الجزام ابتداء من عام 1845 ثم تحولت إلى سجن للسياسيين بعد ذلك، حتى أصبحت رمزا للفصل العنصري وهي السياسة التي بدأت في عام 1948 عندما كان الحزب الوطني لأول مرة في السلطة، بإصدار الحكومة قوانين لتنفيذ الفصل العنصري للتفريق بين البيض والسود في كل شيء في الأرض والسكن حتى في شواطئ البحر، وتحولت الجزيرة الآن إلى متحف حي يشهد على عصر من أحط العصور التي مرت على البشرية.
خرج مانديلا من السجن، الذي أمضى فيه كل شبابه (27 عاماً)، وقاد الأفارقة الجنوبيين للقضاء على نظام الأبارتهيد العنصري. تلك المرحلة رغم صعوبتها وآلامها، هي أهون إذا ما قورنت بما فعله لمنع الحرب الأهلية والحفاظ على بلد متقدم بكل المقاييس، لأن مانديلا والأفارقة الجنوبيين الثوار كانوا قد قضوا على النظام العنصري عندما أوصلوا الأمور إلى نقطة اللاعودة، وصارت نهاية الأبارتهيد حتمية، وإن كانت ساعتها مجهولة وكيفية الخلاص أيضا غامضة. أهمية مانديلا أنه حافظ على البلاد سلما وروحا، فأزاح البيض من السلطة دون أن يلغي مواطنتهم في بلد استقروا فيه منذ أكثر من ثلاثمئة عام إلى جانب السكان الأصليين من قبائل الزولو والهوسا، ومن لحق بهم من مهاجرين أفارقة وبيض هاجروا على أثر اكتشاف الماس وتحولها إلى مركز تجاري بديل للممرات العربية المائية والأرضية الخطرة.
الذي يرى جنوب إفريقيا بعد عشرين عاما من تحررها يشعر بمدى التسامح الذي أبداه الزعيم مانديلا ليس لكونه رجلا مسالما أو متسامحا فحسب، بل نابعا أيضا من حسن سياسة وإدراك حكيم للواقع، فقد كان يسيطر هاجس رهيب في تلك الفترة المبكرة ماذا لو رفع البيض أيديهم عن الاقتصاد الجنوب إفريقي أو تم إقصاؤهم عنه بدافع الانتقام؟ كانت الإجابة في رأس مانديلا هي أن جنوب إفريقيا لن تزيد عندئذ عن كونها دولة إفريقية متخلفة، إلا أن زعامته تجلت بعد أن صار رئيسا، فعندما كان سجينا عمل ملهما للثورة، ثم صار حرا يتعقب النظام العنصري في كل أنحاء العالم لإسقاطه، وبعدها صار قائدا لكل مواطنيه.
كان أمام مانديلا بعد أن دخل قصر الرئاسة أن يبدأ حرب الانتقام ضد البيض الذين عذبوه لأكثر من ربع قرن في زنزانته الانفرادية، وحكموا مواطنيه الأفارقة بقوانين تساويهم بالحيوانات، لكن مانديلا فاجأهم بسياسة اليد الممدودة، وعاقبهم فقط بمحاكمات الاعتراف لتطهير النفس لا للانتقام والإعدام كما حدث في الثورات الأخرى. وصار خصومه في هذه المرحلة القلقة رفاق الثورة القدامى الذين سنوا سكاكينهم يرومون الانتقام من البيض. وبسبب مانديلا الذي عمم مفهوم التسامح فإن جنوب إفريقيا اليوم أهم وأكثر دول القارة استقرارا ونجاحا.
مانديلا وحّد شعباً مقسّماً وأنشأ له سلطة حقيقية وأصبح رمزاً للحرية برصيد سبع وعشرين سنة في الأسر، فهل لنا كعرب وفلسطينيين أن نستقي هذه التجربة العظيمة ونستلهم منها روح النضال والإصرار على حقنا في أرضنا وحريتنا بدلا من هذا الهراء الذي يحدث بيننا ولا طائل من ورائه إلا مزيدا من القوة لإسرائيل.
