عندما أطلق الأديب محمد المر، نائب رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون، دعوته للمؤسسات والجهات والشخصيات المعنية بالتراث في الإمارات إلى إنقاذ مجموعات الصور التي التقطت لمعالم البلاد، في النصف الأول من القرن العشرين، في ضوء أهميتها البالغة كجزء حي من الذاكرة الإماراتية، ونظراً لما تتعرض له من أخطار تنبع من طبيعة المواد والتقنيات التي استخدمت في إنجازها، شكلت دعوته تلك جزءاً لا يتجزأ من الوعي بضرورة بذل كل الجهود للحفاظ على نسيج هذه الذاكرة في جميع أشكاله، وبخاصة مع رحيل أجيال من المعمّرين الذين يشكلون النسغ الذي لا يعوض لهذه الذاكرة.

اليوم، وبعد سنوات، تتجدد هذه الدعوة، تلقائياً، وتفرض جدارتها بالمزيد من الاستجابة والتلبية مع احتفال العديد من المؤسسات العالمية بالذكرى المئوية لميلاد الرحالة البريطاني الشهير سير ويلفرد ثيسجر، الذي عرفه أبناء المنطقة باسم «مبارك بن لندن»، والذي ولد في المفوضية البريطانية في أديس أبابا، ورحل عن عالمنا عام 2003، عقب حياة حافلة بالمغامرات والارتحال والإبداع في مجالي التصوير الفوتوغرافي وأدب الرحلات، أهلته لاحتلال مرتبة الرحالة الأكثر شهرة في القرن العشرين.

وفي اعتقادي أن المساهمة الأكثر أهمية من المؤسسات الثقافية العربية يمكن أن تتمثل في المبادرة إلى التنسيق بينها لتلبية دعوة محمد المر إلى إنقاذ مجموعات الصور الهائلة التي أنجزها الرحالة الكبير من تداعيات تأثير المناخ والزمن، وذلك بالمعالجة الفنية الدقيقة لسلبياتها، بما يكفل بقاءها للأجيال المقبلة، ونشرها بصورة علمية ومنهاجية.

ومن المحقق أن فوز ثيسجر بجائزة أبو ظبي، قبل سنوات، كان تجسيداً للوعي الجماعي بأهمية اللقاء التاريخي بين الرحالة الكبير وبين أبناء واحتي «ليوة» و«الظفرة»، بعد اجتيازه لصحراء الربع الخالي، التي وصفها بأنها «صحراء في قلب الصحراء» بصحبة عدد قليل من أبناء قبائل الرواشد، بعد أن كان هؤلاء الموغلون في الصحراء قاب قوسين أو أدنى من الهلاك عطشاً.

ولم تنقطع صلة ثيسجر بأبناء المنطقة منذ ذلك الحين، وظل يزورها بين الحين والآخر، وبخاصة في إطار إطلاق كتبه أو الكتب التي تتناول حياته، أو إصدار مجموعات من صوره، واستمر ذلك حتى قبيل وفاته، موغلا في التسعينات من العمر.

ويعنيني على وجه الدقة أن أتطرق إلى بعدين محددين في عالم ثيسجر الرحب؛ البعد الأول منهما يتعلق برؤيته للبدو في شبه جزيرة العرب، وهي رؤية ترتبط بصميم فهم الرحالة الكبير للحياة والوجود، وإن شئت المزيد من الدقة فقل ترتبط برؤية كلية يستوعب الكون من خلالها. والبعد الثاني يتعلق بالإنجازات التي حققها على الصعيد الفني، في غمار تصويره لنمط الحياة في المنطقة، قبل أن يطل النفط في أفقها.

وبين هذين البعدين، ليس يعنيني التطرق للتساؤلات الفضولية حول ما دفع بثيسجر إلى المنطقة في المقام الأول، ولست أنسى أنه رد على سؤال لي في مقابلة أجريتها معه في أواخر الثمانينات من القرن الماضي بسؤال أيضاً؛ حيث بادر إلى القول: «ما الذي ستفعله عندما يدعوك وطنك إلى القيام بمهمة تعرف أنك وحدك القادر على القيام بها في الظروف المفروضة عليك؟».

هذا الرجل، الذي درس في إيتون وأكسفورد، وصهرته خبرات العمل في خدمة الامبراطورية البريطانية والانخراط في حروبها، كان يرى في حياة البدو في صحارى شبه الجزيرة العربية تجسيداً لقمة الاحتمال الإنساني وذروته الرفيعة. وقد نبعت هذه الرؤية من معايشة الرحالة الكبير للبدو في شبه الجزيرة العربية، وهو لا يتردد في أن يقول إنهم: «شعب متميز تماماً، فالسنوات الخمس التي قضيتها معهم كانت السنوات الأكثر أهمية في حياتي..فالبدو يمتلكون مزية النبل التي لم أجدها في مكان آخر، وهي نادرة في مجتمعي، لكنها سائدة بين البدو، ولقد كسبوا بحق شهرة كبيرة بسبب كرمهم الفائق وحسن ضيافتهم».

هذا الفهم لبدو المنطقة والحب لهم والتعلق بطبيعة حياتهم لم يقتصر على ثيسجر وحده من بين الرحالة الذين زاروا المنطقة، لكنه عنده يرتفع إلى ما يمكن أن نصفه بالنغمة الدالة في كتاباته، وبخاصة في كتابه الشهير «الرمال العربية».

على الجانب الفني، ينعقد الإجماع على أن ثيسجر حقق إنجازاً في مجال التصوير يرقى إلى ذرى رفيعة من الإبداع الاحترافي، على الرغم من أنه كان هاوياً للتصوير فحسب، فمخاطر الصحراء وألوان المعاناة التي تفرضها على من يعيش تحت آفاقها شحذت وعيه البصري بكل ما حوله.

هكذا تطل علينا من صوره الوجوه والملامح والمضارب والقلاع والسواحل والسفن والتلال والنجود والصحاري. ولا زلت أذكر تشديده في آخر مقابلة أجريتها معه على أن الصحراء تقدم خطوطاً واضحة وأشكالاً منحوتة وفضاء مجسدا، بالإضافة إلى إمكان التقاط لقطات مقربة لأشخاص مثيرين للاهتمام، على حد تعبيره.

في هذه الصور ينطلق البدو في رحاب الطبيعة الممتدة بلا انتهاء، التي تهيمن عليها الرمال في هيئة تلال متطاولة، ويضفي الناس على المشهد البعد الإنساني، وتحوم في الأفق روحهم النبيلة التي يرتفع حديث ثيسجر عنها إلى آفاق الشعر.

ترى، هل تجد هذه الذاكرة الهاربة نحو الاندثار من يطاردها، ويمسك بها، ويعيدها إلى أبناء الأجيال المقبلة؟

a href="mailto:kamel@albayan.ae">kamel@albayan.ae