مثلت عودة الدكتور محمد البرادعي المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بلده مصر بعد أن قضى في الخارج نحو ثلاثين عاما، فرصة لدعاة التغيير إلى التدفق إلى مطار القاهرة الدولي لاستقبال الرجل الذي أبدى استعداده لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة والمقررة في 2011، وان وضع جملة من الشروط للانخراط جديا في مشروع ربما يكون في نظر البعض مفتاحا لخروج مصر من حالة التيبس السياسي التي تعيشها، ويخشى البعض أن تكون طريقا لحالة من الفوضى.

البرادعي سبق عودته بإطلاق جملة من التصريحات التي أعقبت بيانا حدد فيه أربعة شروط للترشيح للانتخابات الرئاسية هي (توافر الديمقراطية الكاملة في الانتخابات والمراقبة الدولية للعملية الانتخابية والمساواة في الدعاية بوسائل الإعلام ومنح جميع المصريين حق الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية بلا عوائق)، وهي التصريحات والشروط التي قوبلت بهجوم حاد من الإعلام المصري الرسمي، الذي راح يكيل النقائص للرجل صاحب السمعة الدولية المشهودة بما أهله لنيل جائزة نوبل للسلام عام 2005، ونسي هؤلاء كم المديح الذي كاله الرئيس المصري حسني مبارك نفسه للبرادعي عندما كرمه ومنحه وشاح النيل من الطبقة العليا، أعلى وسام مصري يمنح لمدني، تقديرا لمكانته الدولية وحصوله على جائزة مرموقة بحجم نوبل للسلام.

وبعيدا عن احتفاء القوى السياسية وحتى الأفراد الذين رحبوا بعودة البرادعي، باعتباره أملاً في التغيير، بينما يحاول البعض الآخر قطع الطريق أمام الرجل، فان السؤال الأهم ماذا يمكن أن يقدم البرادعي، وان تحققت شروطه للترشيح وهي شبه مستحيلة في نظر البعض؟ هل يملك البرادعي عصا سحرية لإصلاح مشاكل مصر المتراكمة على مدى خمسين عاما طبقا لما صرح به؟ وهل يمكن للرجل مهما كانت النوايا الحسنة أن ينفذ إلى جوهر المشكلات التي يعاني منها أبناء مصر البسطاء في يوم وليلة؟

دعاة التغيير الذين يرون في البرادعي الضوء في آخر النفق لا ينكرون أن مثل هذا العبء لا يقدر عليه الرجل ولو ملك من الذكاء ورجاحة العقل والمكانة التي يتمتع بها، غير أنهم يضعون آمالاً كباراً على أن يحرك البرادعي مياها راكدة، آسنة، أفسدت مع طول الأيام الحياة السياسية المصرية، التي فشلت في تقديم شخصية تصلح لتولي زمام الأمور، فانتظروا عودة البرادعي ثلاثين عاماً بعد أن فرغ من مهامه الدولية.

الغياب الطويل عن ربوع مصر بالذات، يعتبرها معارضو ترشيح البرادعي نقطة ضعف الرجل، وان لم تكن الوحيدة، فهو في لقاءاته الصحفية والتليفزيونية، يتحدث بإسهاب عن تغيير الدستور، بما يعطيه وغيره من المصريين حق الترشح بلا قيود، وضرورة إطلاق حرية تشكيل الأحزاب، والصحافة الحرة، ومحاربة الفقر والبطالة، وملاحقة الفساد، غير انه لم يقدم الآلية لبلوغ هذه الأهداف النبيلة، والوسائل العملية التي تمكن مصر قبل تمكينه هو ـ ان وصل إلى الرئاسة- من تحقيقها، في ظل واقع تراكمت عليه الأزمات والمشاكل، بما جعل دعاة التغيير يضعون الأمل على رجل لا يعرفونه أو يعرفهم حق المعرفة اللصيقة، سواء بالمعايشة اليومية، أو بالتفاعل المؤثر في قضاياهم، ومن حق البعض أن يسأل أين كان البرادعي طوال هذه السنين التي استفحلت فيها المشكلات على بلده؟.

حمل مصر من المشكلات والهموم ثقيل، والبحث عن مخرج ربما يساهم البرادعي مع آخرين في الوصول إليه، شريطة أن ينخرط الرجل في العمل العام قبل أن يضع شروطا لترشحه، وألا يتعامل مع الأمر بمنطق الشوكة والسكين، وان يعلم أن الوصول إلى الهدف يحتاج تضحيات حقيقية، والهدف ليس كرسي الرئاسة، بقدر ما هو وسيلة، لإيجاد مشروع متكامل يشارك فيه الجميع لإنقاذ مصر من عثراتها.

فلينخرط البرادعي في العمل العام ويحتك بفئات المجتمع المصري التي طحنتها الأيام، قبل أن يضع شروطا للترشيح ولتكن البداية مع ما أعلن عن تشكيل حركة سياسية تجمع المتطلعين للتغيير والحالمين به.