في الأول من فبراير عام 1958من القاهرة من القصر الجمهوري بالقبة وبحضور الزعيمين العربيين الخالدين جمال عبد الناصر وشكري القوتلي وبعد محادثات الوفدين السوري والمصري على أعلى المستويات، صدر البيان الرسمي الأول بإعلان اتفاق قيادة البلدين وتعبيرا عن إرادة حقيقية للغالبية العظمي من الشعببين على تأسيس أول تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث بقيام الجمهورية العربية المتحدة.
لم يكن هذا الإعلان التاريخي وليد زيارة قصيرة للرئيس القوتلي إلى مصر، ولا نتيجة جلسة مباحثات حماسية طغي فيها الحلم على الواقع، ولا اتفاق فوقي ديكتاتوري تم فرضه على الجماهير الرافضة للوحدة، كما لم تكن بأي صورة من الصور ضما قسريا، ولا ضغطاً سياسياً مصرياً على الطرف السوري، ولا استجابة على استحياء من الضيوف السوريين لدعوة وحدوية وجهها المضيف المصري، بل إن ما سبق هذا الإعلان التاريخي يؤكد العكس تماماً.
لقد ذكر الإعلان التاريخي أن غاية هذا الاجتماع أن يتداولوا في الإجراءات النهائية لتحقيق إرادة الشعب العربي، ولتنفيذ ما نص عليه دستورا الجمهوريتين من أن شعب كل منهما جزء من الأمة العربية.
لذلك تذاكروا ما قرره مجلس الأمة المصري ومجلس النواب السوري من الموافقة الإجماعية على قيام الوحدة بين البلدين، كخطوة أولى نحو تحقيق الوحدة العربية الشاملة.
كما تذاكروا ما توالى في السنين الأخيرة من الدلائل القاطعة على أن القومية العربية كانت روحاً لتاريخ طويل ساد العرب في مختلف أقطارهم، ولحاضر مشترك بينهم، ومستقبل مأمول من أبناء شعبهم.
وانتهوا إلى أن هذه الوحدة هي ثمرة القومية العربية وهي طريق العرب إلى الحرية والسيادة. ولذلك فإن من واجبهم أن يخرجوا بهذه الوحدة من نطاق الأماني إلى حيز التنفيذ.
ثم خلص المجتمعون من هذا كله إلى أن عناصر الوحدة بين الجمهوريتين المصرية والسورية وأسباب نجاحها قد توافرت بعد أن جمع بينهما في الحقبة الأخيرة كفاح مشترك زاد معنى القومية وضوحاً، وأكد أنها حركة بناء وتحرير وعقيدة وهو ما تحقق فعلا بإرادة الشعبين في الاستفتاء على قيام دولة الوحدة في 22 فبراير عام 1958.
ووقائع ما سبق هذا الكلام من عهود طويلة من الكفاح المشترك ومن روابط التاريخ وحقائق الجغرافيا التي جمعت بين مصر والشام بجذور واحدة عبر كل مراحل التاريخ القديم كانت تترجم هذا الكلام وتحيله إلى واقع جعل أمن مصر يرتبط بأمن سوريا، وهو ما تجلي بكل وضوح في حقيقة أنه إذا تعرضت بغداد للغزو استنفرت سوريا.
وإذا تعرضت دمشق للتهديد بالغزو تحركت مصر للقتال على أرض الشام دفاعا عن أمنها الوطني، انطلاقا من حقيقة أنه إذا سقطت بغداد فالدور على سوريا وإذا سقطت دمشق فالدور على القاهرة، وهي الحقيقة الأمنية التاريخية التي هي محور نظرية الأمن القومي العربي والتي لم تغب أبدا عن كل حكام مصر وسوريا في كل العهود سواء كانوا على وفاق أو كانوا في شقاق.
وقد تجلي ذلك في معاركهما المشتركة ضد كل الغزاة القادمين من الشرق عبر العصور سواء أكانوا من التتار أو المغول أو من الصليبين مثلما يجمعهما اليوم التهديد الأكبر الواحد من العدو الصهيوني الواحد، كل المعارك التاريخية المصرية الكبرى كانت تدور على أرض الشام حماية لأمن مصر.
رأينا ذلك في معركة «قادش» في عهد رمسيس، مثلما رأيناه في معركة «عين جالوت» في عهد قطز، وفي تحريك السلطان «برقوق» لجيشه للدفاع عن دمشق بعد سقوط بغداد وفي مقدمته العلامة «ابن خلدون» في عهد المماليك.
مثلما رأيناه في معركة «حطين» ضد الصليبيين بقيادة صلاح الدين، وصولا إلى تحرك جيش مصر إلى سيناء لمنع إسرائيل من العدوان على سوريا في عهد عبد الناصر، وما نتج عنه من عدوان صهيوني على مصر وسوريا عام 1967، ثأرت له مصر وسوريا معا في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973.
تماما مثلما تجلت تلك الحقائق في وحدة كفاح الشعبين ضد كل أشكال الاستعمار القديم الفرنسي في سوريا والانجليزي في مصر، وضد نفس العدو الذي جزأ وحدة الأمة الإسلامية وقسم وحدة الوطن العربي في «سايكس بيكو» ضمن مناطق النفوذ الاستعماري، والذي زرع الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين في قلب الوطن العربي لفصل المشرق العربي عن المغرب العربي.
ولمنع العرب من استعادة وحدتهم، وضد حلف بغداد وضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956في المشاريع الصهيونية الأميركية لتفتيت المفتت وتجزيء المجزأ من أقطار الوطن العربي لإعادة الاستعمار والسيطرة بدءً بفلسطين ومرورا بالعراق والبقية تأتي.
من هنا نتذكر بالأسى والأمل معا تجربة الوحدة المصرية السورية ، التي حولت الحلم العربي إلى حقيقة، لكن تضافرت عوامل عديدة على إجهاض هذه التجربة التاريخية بعضها ذاتي وبعضها موضوعي، وبعضها داخلي وبعضها خارجي حين طغي الحلم المشروع للشعب العربي على حساب الواقع المصنوع.
وحين حضرت الوحدة وغابت الديمقراطية، وحينما ارتفع البناء قبل أن يتعمق الأساس، فيما كان هناك في الداخل والخارج في الجمهورية العربية المتحدة أو في الوطن العربي، من لا يريد للعرب أن يتوحدوا، لأنه لا يريد لهم القوة ولا يريد لهم النهضة ولا يريد لهم الحياة بحرية وعزة وكرامة.
ومع كل ذلك ستبقى الوحدة في ضمير الشعب العربي الواحد هي الهدف الذي لابد من تحقيقة مهما نجحت المؤامرات ومهما فشلت التجارب، وإلا يكون البديل هو المزيد من التجزئة والتشرذم، والتبعية والضعف والتخلف والهوان إذا بقي العرب وحدهم يسبحون ضد التيار خارج حركة التاريخ وبعيدا عن نداء العصر.. عصر الاتحادات الكبرى، في عالم يبتلع فيه الكبير الصغير.
ويسيطر فيه القوي على الضعيف، مغيبين عن الوعي بضرورة استعادة وحدتهم وبناء اتحادهم لاستعادة قوتهم وتحرير أرضهم وامتلاك إرادتهم وثروتهم لبناء نهضتهم، ليتحقق للعرب اللحاق بعصرهم واستعادة عزتهم وكرامتهم.. فالوحدة هي أساس القوة، والقوة هي أساس الحياة.
كاتب مصري
