هل تتفجر في فرنسا حرب أهلية دينية تبتدرها الغالبية المسيحية ضد الأقلية المسلمة؟

يعيش في فرنسا نحو خمسة ملايين مسلم. ولا يكاد يمر يوم دون أن يصدر عن النخبة السياسية الفرنسية العليا (وجميع المنتمين إليها مسيحيون بالطبع أو لا دينيون) تحريض بالأقوال أو الأفعال ضد المواطنين المسلمين، والتضييق عليهم في ممارسة قيمهم. هذا التحريض ينطوي على استفزاز بأعلى الدرجات.

ومع تراكم الاستفزازات عبر الزمن، فإنه قد تنشأ عنها ردود فعل عنيفة، ربما تؤدي مع التوسع في الاستفزازات وتصعيدها إلى احتكاكات جماعية بين المسلمين والمسيحيين، ربما بدورها تتحول إلى حرب أهلية شاملة خلال سنوات معدودات من الآن.. سواء قصدت الطبقة السياسية الحاكمة أو لم تقصد.

انظر في المثالين أدناه:

ـ رئيس بلدية يرفع دعوى قضائية ضد مجموعة مطاعم «كويك» للوجبات السريعة، متهما إياهاً بممارسة التمييز ضد غير المسلمين؛ بسبب قرارها تقديم وجبات للزبائن المسلمين خالية من المحرمات الغذائية الإسلامية كلحم الخنزير، في عدد من مطاعمها الواقعة في مناطق ذات كثافة سكانية إسلامية.

وعلى الفور تجاوب مع رئيس البلدية وزير الزراعة برونو لومير، قائلاً في تصريحات صحافية إن حجب كل ما ليس حلالاً من مطاعم مفتوحة للعامة يجعلها تمارس التمييز على أساس ديني أو طائفي، وهذا يتنافى مع مبادئ الجمهورية الفرنسية.

ـ وزير الهجرة إريك بيسون رفض منح الجنسية الفرنسية لمواطن مغربي مسلم ترتدي زوجته الفرنسية النقاب، وعلى الفور حظي هذا القرار بتأييد رئيس الوزراء فرانسوا فيون.

والاتهام الموجه إلى هذا المواطن المغربي يتعدى مسألة النقاب إلى السلوك الاجتماعي العام كشخص مسلم. فهو كما يقول رئيس الحكومة الفرنسية «متطرف ديني». وربما يتبادر من الوهلة الأولى إلى الذهن أن هذا الاتهام ذو طبيعة سياسية تفيد أن له روابط مع تنظيم «القاعدة»، أو أنه يروج لتوجهاتها.

لكن الأمر غير ذلك. فالمواطن العربي «متطرف» لأنه - على حد قول رئيس الحكومة من خلال الوسائل الإعلامية - «يفصل بين الرجال والنساء داخل منزله..

كما يرفض أن يصافح امرأة باليد». ولكي يختم رئيس الوزراء الفرنسي تصريحاته بنبرة حازمة وحاسمة فإنه أضاف: «إذا لم يغير هذا الرجل من سلوكه فليس له مكان في هذا البلد». وكأن المطلوب منه الإقلاع عن عاداته الخصوصية، حتى لو تطلب الأمر مخالفة متطلبات معتقده الديني.

مثل هذه الوقائع تجري في فرنسا على نحو يكاد يكون يومياً، متخذة شكل حملة حكومية كبرى، لا تستهدف سوى المسلمين والإسلام، باسم حماية القيم العلمانية للجمهورية الفرنسية.

قسم من الإعلام الغربي يرى أن الحملة مفتعلة من أجل تحقيق مكاسب انتخابية. في هذا الصدد تقول صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية، في مقالة افتتاحية: إنه من بين الخمسة ملايين مسلم في فرنسا ذكوراً وإناثاً لا يوجد سوى أقل من ألفي امرأة ترتدين الحجاب الإسلامي الكامل، ما لا يشكل أي تهديد للهوية الفرنسية أو أمن فرنسا، لكنه يشكل هدفاً انتخابياً رخيصاً للأحزاب السياسية الفرنسية..

فتلجأ هذه الأحزاب ـ وبخاصة أحزاب اليمين المتطرف ـ إلى استثارة مشاعر الخوف والكراهية ضد المسلمين وأسلوب حياتهم، من أجل كسب المزيد من أصوات الغالبية المسيحية في الانتخابات العامة والمحلية.

في هذا السياق، على سبيل المثال، أوصت لجنة برلمانية بحرمان النساء المسلمات اللائي يرتدين النقاب من الاستفادة من الخدمات العامة، بما في ذلك المدارس والمستشفيات ووسائل المواصلات العامة.

لكن هل من المعقول حصر المسألة في النطاق الانتخابي فقط؟

ابتداء نقول إن الانتخابات العامة أو المحلية تبقى حادثاً موسمياً، مهما بالغ القادة السياسيون في حملاتهم الدعائية، وما تنطوي عليه هذه الحملات من وعود تتبخر مع نهاية الموسم، فلا يعود المرشحون أو جمهرة الناخبين يذكرونها إلى أن يحل الموسم التالي. لكن الحملة على الأقلية المسلمة تتواصل على مدى العام بأكمله. إنها ظاهرة أكبر وأعمق من مجرد حادث انتخابي عابر.

ثم إن الحملة تتشارك فيها كل الأحزاب السياسية على اختلاف توجهاتها. وعلى هذا النحو فهي معزوفة تجعل من القيادات الحزبية كافة أعضاء في «أوركسترا» واحدة. وهنا يبرز سؤال: من هو قائد الأوركسترا؟

تأمل في الواقعة التالية التي حدثت في الأسبوع المنصرم: طالبة فلسطينية مسلمة تبلغ من العمر 16 عاماً طردت من مدرسة في وسط شرق فرنسا لأنها كانت ترتدي قميصاً عليه شارة كتب عليها «فلسطين حرة». ولم تفلح جهود الأسرة في الحصول من السلطات العليا على قرار لإعادة الطالبة إلى مدرستها.

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae