عندما بدأت القوات الأمريكية والأفغانية هجوما كبيرا على بلدة المرجة في أفغانستان في 13 فبراير، لم يكن أحد يشكك أن هذه القوات ستتمكن في النهاية من احتلال المنطقة والسيطرة عليها عسكريا خلال فترة وجيزة. فالقوات الدولية تفوق قوات طالبان عددا وعدة، وهي مسلحة بأحدث أنواع الطائرات والدبابات والأسلحة المتنوعة الأخرى. لذلك لم يكن إعلان هذه القوات عن سيطرتها على المدينة مفاجئا، بل ربما جاء متأخرا عما كان متوقعا له في البداية.

لكن المشكلة الحقيقية للولايات المتحدة لم تنته باحتلال المرجة، بل ربما بدأت الآن. فقد أظهرت التجارب في العراق وأفغانستان أن بإمكان القوات الأمريكية أن تحتل منطقة ما، لكنها غالبا ما تكون عاجزة عن فرض الاستقرار والأمن في تلك المنطقة فيما بعد. فلكي تنجح في فرض الاستقرار، على القوات الغازية أن تحافظ على وجود أعداد كبيرة في المنطقة لتقليص المساحة التي ينشط فيها المسلحون، وأن تضمن تأييد السكان المحليين حتى لا يوفروا ملاجئ للمسلحين، وأن توفر معلومات استخباراتية تمكنها من اتخاذ زمام المبادرة وإبقاء المسلحين في موقف دفاعي طوال الوقت. لكن القوات الأمريكية في المرجة تفتقر إلى جميع هذه المقومات تقريبا. فالقوات الأمريكية ستكون مضطرة لخوض حرب عصابات ضد مسلحي طالبان الذين لن يتركوا هذه القوات تنعم بالراحة وسيسعون لإيقاع أكبر عدد من الضحايا لدفعها للتراجع في أسرع وقت ممكن. والسكان المحليون في المرجة، وإقليم هلمند بشكل عام، متعاطفون إلى حد كبير مع طالبان، ولذلك يتوقع أن يقدموا لهم الدعم والملاذ الآمن، خاصة أن طالبان نشأت أصلا في هذه المنطقة وحكمتها على مدى السنوات العشر الماضية تقريبا. ثم إن المرجة تشكل أهمية خاصة لطالبان لأنها أحد أهم مراكز تجارة المخدرات التي تدر على طالبان ملايين الدولارات سنويا، ولا شك أن الحركة ستسعى لاستعادة السيطرة عليها كما فعلت سابقا.

لذلك فإن الخطوة الأهم أمام القوات الأمريكية، بعد إضعاف حركة طالبان بشكل كبير، تكمن في تشكيل سلطة محلية قادرة على مواجهة طالبان فيما بعد، وهذه ليست مهمة سهلة بسبب انتشار الفساد في الحكومة الأفغانية الحالية، وطاقم المسؤولين الأفغان الذي أعده الأمريكيون سلفا لتولي إدارة المنطقة لن يلقى التعاون المأمول من السكان المحليين بسبب انعدام الثقة بهم سلفا. حتى قوات الشرطة الأفعانية التي جاءت مع القوات الدولية لتتولى مسؤوليات الأمن فيما بعد ستكون عرضة لهجمات طالبان التي تراجع معظمها قبل وصول القوات الدولية استعدادا لإعادة تنظيم نفسها وشن هجمات معاكسة.

إن الحل في أفغانستان لا يمكن أن يكون عسكريا، ولا بد من البحث عن سبل سلمية تحفظ استقرار البلد وتضمن أمنه على المدى البعيد. فالجيوش تحتل الأراضي، لكنها لا تستطيع فرض الاستقرار.