من الواضح أن فرنسا تبحث عن تمتين علاقاتها مع سوريا، بل وتريد أن تجعل منها إحدى بواباتها، إن لم تكن البوّابة الرئيسية، للدخول إلى حلبة الفعل في الشرق الأوسط من جديد. لقد انتهت الحقبة غير البعيدة من الخصام المعلن، الذي استمر «عالي التوتر» لسنوات.

وبعد الزيارات الرئاسية المتبادلة على مدى العامين المنصرمين، وعشرات الوفود البرلمانية والوزارية وممثلي عالم المال والأعمال، وصل إلى دمشق قبل أيام رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيّون، في زيارة استمرّت يومين.

للعلم هذه هي الزيارة الأولى التي يقوم فيها أي رئيس حكومة فرنسي بزيارة إلى سوريا منذ عام 1977.

بدت النغمات على أقصى ما يرام من التوافق ـ «سمن على عسل»، كما يقال ـ حول مختلف المواضيع، باستثناء ما يتعلّق بالمواقف من الملف النووي الإيراني، ومن خلاله الموقف من إيران.الموقف السوري حول هذا الملف لم يتغيّر، وتوجزه جملة يرددها المسؤولون السوريون على مختلف مستوياتهم وفي مختلف المناسبات، ومفادها أنه من حق إيران «الاستخدام السلمي للطاقة النووية».

ولا يخفى على أحد أن فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة، تريد كلّها ابتعاد سوريا عن إيران، وتسعى من أجل ذلك. ولكن مثل هذا الأمر لا يبدو قابلا للحصول في السياق الإقليمي الحالي المتلبّد، وخاصّة طالما أن آفاق السلام في المنطقة بعيدة.الفرنسيون يدافعون عن خيارهم بالاقتراب من دمشق، على خلفية قناعتهم بدورها الفاعل في المنطقة.

ولكن أيضا، على خلفية منافسة «غير معلنة»، أو «معلنة مواربة» مع واشنطن، على غرار تصريح كرره فرانسوا فيّون عدّة مرّات ومفاده: «لقد واجه اختيار فرنسا في التقارب مع دمشق الكثير من النقد، لكنني سعيد اليوم عندما أرى أن الولايات المتحدة الأميركية تقلّد الموقف الفرنسي».

لقد انتهت إذن حقبة التفاهم الأميركي ـ الفرنسي للعمل على تهميش دمشق ودورها في المنطقة، لتحلّ مكانها مساعي بعث الحرارة في العلاقات معها. لقد تغيّرت الحسابات، وبالتالي تغيّر التوجّه، وليس الأهداف.

ومن المعروف أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، كان قد أعلن موقفا متطرّفا في عدائه لسوريا، خلال السنوات الأخيرة من رئاسته. واستمرّ نفس العداء خلال الأشهر الأولى من فترة الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، قبل أن يقرر «عكس التوجّه».

للتذكير فقط؛ كان نيكولا ساركوزي قد أعلن صراحة، أثناء النقاش التلفزيوني الذي جمعه مع المرشحة الاشتراكية سيغولين روايال قبل انتخابه بفترة قصيرة، أنه ضد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي كي لا تصبح له حدود مع سوريا... والعراق.

لا يزال الرئيس الفرنسي على موقفه حيال تركيا، ولكن الحجج اختلفت.ويبدو أن سوريا قد أصبحت في قلب الحسابات الفرنسية، لكنها لا تزال واقعيا في المرتبة 14 بين شركائها التجاريين، والمرتبة 15 في عداد المستثمرين الأجانب.

ولم تسفر زيارة فرانسوا فيّون إلى دمشق عن أكثر من توقيع عقود صغيرة، كشراء طائرتين «صغيرتين» كان يمكن لدمشق شراؤهما، ربما بسعر أقل، من البرازيل أو غيرها.

ولعلّ أحد الاختبارات الكبيرة للسياسة الفرنسية حيال سوريا، يتعلّق بسعي فرنسا للحصول على الموافقة لبيعها طائرات «ايرباص» كانت قد طلبتها، لكن أميركا مانعت على أساس أن فيها مكوّنات أميركية. وليس سرّا أن فرنسا تطمح لبناء مترو دمشق في أفق عام 2016.

واليوم، من الواضح أن باريس تحاول، عبر لعب الورقة الأوروبية خاصّة، عدم ترك المجال حرّا لواشنطن في ما يتعلّق بمسيرة السلام في الشرق الأوسط، لا سيما أنه يسود لدى الأوروبيين الإحساس بإسقاط أوباما للورقة الأوروبية من قائمة أولوياته.

إلى درجة أنه لم يكلّف نفسه عناء حضور الاحتفال بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين إلى جانب جميع قادة القارّة... وفضّل آنذاك القيام بجولة آسيوية.

وإذا كان أوباما قد أظهر اهتمامه الآسيوي، فلا شيء يمنع الأوروبيين من كسب مواقع «أكثر تقدما» في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتراجع الأميركيون.ضمن مثل هذا السياق، يمكن فهم ما يشبه «الهجوم الدبلوماسي» الفرنسي في اتجاه منطقة الشرق الأوسط.

حيث تمثّل زيارة رئيس الحكومة الفرنسية لدمشق وعمّان، واقتراح عقد قمّة دولية في باريس حول السلام في الشرق الأوسط، وتصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير حول إعلان دولة فلسطينية والاعتراف بها، بعض حلقاته.

الأيام وحدها ستكشف إذا كان الأمر جديّا، أو أنه بغرض «الاستهلاك» وتسجيل المواقف، هذا إذا لم يكن للحشد في مكان و«الفعل» في آخر.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr