في خطوة متوقعة بعد سلسلة من التفاعلات التي تتالت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أعلنت واشنطن قرار الرئيس باراك أوباما بتعيين الدبلوماسي روبرت فورد سفيراً للولايات المتحدة في سوريا، «كالتزام بالانخراط في دعم المصالح الأميركية عن طريق تحسين التواصل مع الحكومة والشعب السوري».
وذلك في سياق اعتراف الإدارة الأميركية بأهمية الدور الذي تلعبه سوريا في المنطقة، وكمؤشر على قلب صفحة جديدة في ملف العلاقات السورية الأميركية، بعد سنوات طويلة من التباينات الحادة والواسعة.
خصوصاً تلك التي نشأت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في فبراير 2005، وما تلا ذلك من تعقيدات في الموقف الأميركي المناوئ لدمشق ولدعمها وإسنادها السياسي لقوى المقاومة الفلسطينية، وتمسك سوريا بعلاقاتها وتحالفاتها الإقليمية.
ومن الطبيعي أن تعيين سفير أميركي جديد في دمشق، هو إشارة انفتاح نوعية حيال سوريا، في إطار سياسة أوباما المعلنة «لتشجيع جهود السلام في الشرق الأوسط»، على حد تعبير الناطق باسم البيت الأبيض.
واتخذت الخطوة أهمية إضافية حيث تزامنت مع زيارة وليام بيرنز المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لسوريا قبل أيام، ولقائه مع الرئيس بشار الأسد، في إطار «تعميق الحوار حول جميع أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين»، كما أعلن بيرنز عقب اجتماعه مع الرئيس السوري.
لقد جاء القرار الأميركي بعد مخاضات عسيرة شهدتها العلاقات بين البلدين، ووصلت ذروتها إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف العام 2006، حين بدأت مواقع القرار في واشنطن تعيش في حيرة من أمرها بالنسبة لملف العلاقات مع دمشق، فلا الحرب نجحت في الوصول إلى الأهداف التي رسمتها إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة.
على صعيد قطف نتائجها بجر سوريا ولبنان إلى موقع التنازل، ولا سوريا تراجعت عن ثوابتها الوطنية المعلنة بالنسبة للصراع مع إسرائيل، ولا تراجعت عن تحالفاتها الإقليمية المشروعة في الإطار الإقليمي، بالرغم من سيف الضغوط التي تواصلت عليها.
فالولايات المتحدة، ومنذ الأيام الأولى للعدوان على لبنان صيف العام 2006، حاولت اشتقاق تكتيك سياسي عنوانه إخراج دمشق من دائرة الفعل وتهميشها وعزلها، أو على الأقل تحييدها وإبعادها، لكن منطق الأحداث على الأرض، والنتائج التي تكرست مع مضي الوقت، دفعت أميركا لإعادة النظر في خطواتها السابقة، والموافقة على فتح قنوات الاتصال مع دمشق.
والآن، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من انقضاء الحرب على لبنان صيف العام 2006، باتت الإدارة الأميركية على قناعة بأنها ارتكبت خطأ بمحاولتها عزل سوريا، وأن بإمكان الضغوط إسقاط النظام السوري، كما كان يروج البعض منذ إدارة الرئيس جورج بوش الأب، وأثناء إدارة جورج بوش الابن.
فقد استطاعت سوريا أن تعبر مأزق الضغوط الخارجية عليها بمزيد من الحنكة والاقتدار، دفعت حتى الإدارة السابقة للتفكير بطريقة مغايرة لتصحيح العلاقات مع سوريا، والاعتراف بدورها المحوري في المنطقة، وبفشل سياسة لي العنق معها. وفي الوقت نفسه.
تنامت على نحو إيجابي مواقف دول الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا، حيث انطلق العديد من الأصوات الأوروبية المؤثرة، التي عبرت عن قناعة ازدادت رسوخاً بأنه دون سوريا «تبقى محاولة عملية السلام في المنطقة دون جدوى»، وهو ما ساعد على كسر حدة المواقف الأميركية المتشنجة تجاه دمشق، وساعد في فتح النوافذ والأبواب التي أوصدت أمامها في فترات سابقة.
وعليه، فإن الإدارة الأميركية السابقة فتحت نوافذ للحوار مع دمشق عبر قنوات غير رسمية في البداية، دلت عليها الوفود المتتالية التي تقاطرت إلى العاصمة السورية خلال السنوات الثلاث الماضية، وصولاً إلى الزيارة الرسمية الأولى لرئيسة مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي نانسي بيلوسي لدمشق.
حيث قادت تحركاً سياسياً وتكتيكياً مناوئاً لسياسة العزل والإقصاء التي استخدمتها إدارتا الرئيسين بوش (الأب والابن) ضد سوريا، بعد عدة سنوات من محاولات عزلها والضغط عليها، بل واستبعادها من أي ذكر حين يكثر الحديث عما يُسمي بعملية السلام في الشرق الأوسط.
والاكتفاء بترديد عبارة أن «سوريا تعرف ما يتعيّن عليها عمله» فكانت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي بداية المشوار في إعادة ترتيب العلاقات السورية الأميركية، على الرغم من اعتراض شخصيات مهمة في البيت الأبيض سنتذاك.
فقد غلّب فريق وزارة الخارجية الأميركية من المهنيين والدبلوماسيين، استئناف الحديث المباشر مع سوريا باعتبار أن لها دوراً لا يستهان به في مسار الأحداث في منطقة الشرق الوسط، انطلاقاً من أن دمشق معنية قبل غيرها بما يدور في المنطقة.
خصوصاً في ظل الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان السورية، وانسداد مسار التسوية معها، في حين برزت مواقف المحافظين في إدارة الرئيس بوش السابقة نفسها، وعلى رأسهم ديك تشيني ودونالد رامسفيلد واليوت إبرامز.
الذين كانوا من صقور رفض التفاوض المباشر والعلني مع سوريا والداعين لاستمرار المواجهة المفتوحة بين واشنطن ودمشق، وما زال هناك من يساندهم في الإدارة الحالية، مثل النائبة الجمهورية المتشددة روز ليهتنانن، وهي ثاني أبرز أعضاء لجنة الشؤون الدولية في مجلس الشيوخ.
وفي النتيجة، فإن عودة الروح للعلاقات الرسمية بين دمشق وواشنطن بعد تعيين السفير الأميركي الجديد، خطوة متقدمة على صعيد إعادة البحث في مسار العلاقات بين البلدين.
كما تشكل خطوة على الطريق الطويل المنتظر، لتطوير الموقف الأميركي في اتجاه الانزياح لمنطق الحق والعدالة، بعد عقود طويلة من الفجاجة الطاغية في السلوك السياسي للولايات المتحدة الأميركية المنحاز إلى جانب إسرائيل.
كاتب فلسطيني ـ دمشق