قابلت موسكو نتائج انتخابات الرئاسة الأوكرانية بهدوء ملحوظ وبدون أي تصريحات حادة، فقد كانت النتائج بالنسبة لها شبه متوقعة، ولكن على ما يبدو أن موسكو ليست مطمئنة كثيرا للأوضاع في أوكرانيا، وفوز فيكتور يانكوفيتش لا يعني على الإطلاق أن أوكرانيا عادت لأحضان روسيا.

ويرى البعض أن فوز يانكوفيتش ليس هو النتيجة التي كانت تريدها موسكو، بل إن بعض الصحف الروسية كتبت تقول إن موسكو كانت تتمنى لو أن يوليا تيموشينكا هي التي فازت.

وقالت أيضاً إن رئيس الوزراء فلاديمير بوتين ربما يفضل التعامل مع تيموشينكا أكثر من يانكوفيتش، علماً بأن بوتين كان قد صرح أكثر من مرة بأنه يجد راحة كبيرة في التعامل مع تيموشينكا، التي بدت لديها منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008 ميول واضحة للتقارب مع موسكو التي زارتها أكثر من مرة العام الماضي.

وصرح قسطنطين كوساتشوف، رئيس لجنة العلاقات الدولية في البرلمان الروسي، للصحافيين قائلاً «من الخطأ اعتبار يانكوفيتش مرشح روسيا وتيموشينكا مرشحة الغرب، كلاهما يمثل شريحة كبيرة من الشعب الأوكراني وسيضع مصالح أوكرانيا فوق كل اعتبار».

هذه التصريحات تعكس قلقا واضحاً من انعكاس نتائج الانتخابات على الشارع الأوكراني، بشكل سلبي يؤدي إلى انقسامات حادة واضطرابات قد تكون نتائجها أسوأ بكثير مما جلبته الثورة البرتقالية، وخاصة إذا وقع الانقسام بين شطري أوكرانيا الشرقي والغربي.

ومن المؤكد أن واشنطن لن تسلم بسهولة لهزيمتها في أوكرانيا، بل إن التهاني التي انهالت على الرئيس المنتخب فيكتور يانكوفتش من الغرب، وخاصة من الرئيس الأميركي أوباما وقبل الإعلان الرسمي لنتائج الانتخابات.

تثير شكوكا كثيرة حول استقرار الأوضاع في أوكرانيا في المستقبل، وتعكس على الأرجح أن الغرب يعد لمخططات جديدة في أوكرانيا، والأوضاع الداخلية في أوكرانيا مهيأة في الواقع لحدوث انقسامات واضطرابات، وربما ثورات ملونة جديدة.

فطبيعة أوكرانيا كبلد منقسم لقسمين، يسكنهما تقريبا شعبان مختلفان ثقافة وعقيدة وانتماء، تجعلها مهيأة باستمرار للاضطرابات وللتدخلات الأجنبية. ولهذا تسعى موسكو لتهدئة الأوضاع.

ومن المتوقع أن تسعى كذلك لتهدئة الأجواء بين يانكوفيتش وتيموشينكا، وقد تضغط على يانكوفيتش لقبول تيموشينكا رئيسة للوزراء، وهذا سيكون أفضل الحلول المؤقتة لضمان الاستقرار في الشارع الأوكراني، وتفادي المؤامرات والدسائس الأجنبية.

لقد فشلت الثورة البرتقالية في أوكرانيا، لأن الشعب الأوكراني لم يجد حلولاً لمشاكله لدى الغرب، ولكن هل سيجد الشعب الأوكراني في الفترة القادمة حلولاً لمشاكله لدى روسيا؟

علماً بأن مشاكل أوكرانيا تفاقمت وتضاعفت كثيرا في الأعوام الخمسة الماضية، حيث يعاني الاقتصاد الأوكراني من أزمات حادة، وهناك عجز كبير في الميزانية، وهناك ما يقرب من أربعين مليار دولار ديوناً على أوكرانيا مستحقة الدفع في العام الجاري، وهناك اضطرابات أمنية داخلية في كافة أرجاء الدولة، وجميع الجهات الدائنة ترفض مساعدة أوكرانيا في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية.

إذاً، ماذا ستفعل روسيا لأوكرانيا؟ سؤال يسأله الكثيرون الآن، خاصة وأن استقرار الأوضاع في أوكرانيا أمر يهم موسكو بشكل كبير، بل تعتبره جزءاً من أمنها القومي، ولكن مشاكل أوكرانيا أكبر بكثير من أن تتحملها روسيا الآن.

فهل ستسمح موسكو بأن تعطي أوكرانيا الغاز بأسعاره القديمة؟ علماً بأنه ليس لدى أوكرانيا المال لشراء الغاز الروسي بسعره الحالي، ومن المؤكد أن موسكو لن تمنح أوكرانيا مساعدات مالية، لأنها إن فعلت فستضطر لتقديم مساعدات مالية لباقي الجمهوريات الأخرى المحتاجة.

الجميع يعتقدون أن نتائج الانتخابات الأوكرانية هي انتصار كبير لروسيا، وقد يكون الأمر كذلك بالفعل في إطار اندحار الثورة البرتقالية المدعومة من واشنطن، لكن الواقع أن أوكرانيا ستشكل أعباء كبيرة جديدة على روسيا، ومطلوب من الجارة الكبيرة أن تكون عند حسن ظن الجارة والشقيقة الصغيرة، فهل ستستطيع موسكو مواجهة الأعباء الجديدة التي ستلقيها عليها أوكرانيا؟

أخشى ما نخشاه أن لا تستطيع، وربما يكون رهان الغرب وواشنطن القادم على فشل روسيا في تحقيق آمال الشعب الأوكراني.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail