ماذا نعني بالضغط الاجتماعي؟ إن مجتمعاتنا تتكون من عائلات وقبائل وطبقات، ومستوى الوعي والتعليم والثقافة والحس الحضاري، هو الذي يحدد كيفية التعامل مع الوطن ودولة القانون.
فعندما نرى اختراقاً للقانون باستخدام الضغط الاجتماعي، فإن هناك مشكلة في الدولة، ومشكلة في القوى الاجتماعية، لا بل مشكلة في قيمنا وثقافتنا وتعليمنا. ويبدو أن الانحدار في الدول والمجتمعات، لا يكون في مجال دون غيره، بل عاماً، يبدأ باختلال القيم.
ومن الطبيعي أنه عندما تضعف سلطة الدولة، تقوى قوى الضغط الاجتماعي ويزداد تأثيرها، وقد نستطيع وصف الحالة في عصرنا بذلك، لأننا أمام ظاهرة الضغط الاجتماعي على حساب القانون وسلطة الدولة. ويمكن هنا أن نثير بعض المشكلات والأمثلة على ذلك النوع من الضغط، وهي كثيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
نسمع ونقرأ كل يوم أحداثاً ووقائع سلبية لم نعهدها من قبل، ومن الصعب حصرها في هذا المقال، تقع تحت عنوان الفساد الإداري والمالي وفساد الذمم، نتيجة اهتزاز وضعف ثقافي وقيمي وتربوي، فماذا حصل لمجتمعاتنا؟ وما هي أسباب هذا المرض الخطير؟
نحن بحاجة إلى وقفة جادة لمعرفة الأسباب والظروف التي أدت بنا إلى ما نعيشه من بيئة غير صحية، استشرى فيها الضغط الاجتماعي متحدياً القانون، وأحياناً لتجيير القانون لصالح أناس على حساب آخرين بدون وجه حق.
إن تدخل قوى الضغط الاجتماعي ونفاذها وتحقيق ما تريد، يؤدي إلى تفريغ القانون من محتواه، وإلى إضعاف سلطة الدولة، والتمادي في ذلك لا يحدث لولا معرفة تلك القوى بإمكانية تحقيق ما تريد.
وقد شاع ذلك الضغط الاجتماعي إلى درجة أنه يكاد يصبح القاعدة، ومن يريد تطبيق القانون وفرض هيبة الدولة استثناءً، لا بل إن تلك القوى تتصور أن ما تقوم به هو الصحيح، والتمسك بالقانون هو الخطأ!
أما كيف تخترق قوى الضغط الاجتماعي ورمزها القانون في دولنا، فهذه حكاية طويلة. هناك مصلحة مشتركة بين من يتدخل من تلك القوى لصالح شخص في الغالب ضد القانون أو التفافاً عليه، والمصيبة أن يكون ذلك التدخل من قبل أشخاص بعضهم رجال قانون أو منوط بهم تطبيقه!
وكاتب هذا المقال مرّ بتجربة في الجامعة في أحد الفصول الماضية، حيث قابله عضو في مجلس أمة كويتي (لم يعد الآن عضواً) وبرفقته شخص آخر عرّفه بأنه محام، جاء يطلب تغيير درجة زوجة المحامي بتقدير أعلى بعد الامتحانات النهائية للفصل الدراسي، وغامرنا بالتصدي لهما، وكان السؤال لهما ولا يزال؛ كيف يقوم مشرّع للقانون ورقيب على تنفيذه مع رجل قانوني بطلب خرق القانون؟!
والمؤسف حقاً أن تسمح الأوضاع العامة في دولنا بذلك النوع من الضغوط، من منطلق عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا التقليدية، دون أن ندرك أننا في دولة مدنية قانونية، ودون أن ندرك مخاطر تلك الضغوط والنتائج المترتبة عليها، وهي في الغالب نتائج سلبية.
ويفهم البعض الواسطة خطأ، فيتدخل سواء كانت هناك مظلمة أم لم تكن، لمساعدة أشخاص يستحقون أو لا يستحقون ويعرفون مع سبق الإصرار، أنهم في بعض الحالات يعملون ضد القانون أو للالتفاف عليه ولي عنقه وترويضه، لمصلحة من يتوسطون لهم. وقد حدثت مشكلات كثيرة وخطيرة نتيجة تلك التدخلات والواسطات، دفع ويدفع المجتمع ثمنها حتى حياة عدد من المواطنين!
ومهمتنا على كل المستويات هي محاولة ترشيد الضغط، في إطار منهج السلم الاجتماعي الديمقراطي، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟ الإدراك أولاً أن هناك جهة في المجتمع مهمتها تنويرية تثقيفية، وأن هناك جهة أخرى تنفيذية.
الأولى مهمة المثقفين والمجتمع المدني، والثانية مهمة الدولة ومؤسساتها، والشرط الموضوعي هو التناغم والعمل المشترك بين الجهتين، فالطرفان مسؤولان عن فهم ومعرفة أهمية القانون، والتركيز على احترامه وتطبيقه.
وعلى الدولة أن لا تخضع وترضخ للضغط الاجتماعي على حساب القانون، وعلى قوى الضغط الاجتماعي أن تفهم حدودها، وعدم تجاوز القانون لمصالح شخصية وفئوية قبلية أو طائفية أو عائلية أو حزبية.
وعلى الرغم من أن لقوى الضغط الاجتماعي أهدافاً سياسية أحياناً، إلا أنها مؤثرة في هذه المرحلة من حياتنا، بسبب تراجع قوى الضغط السياسي الوطنية وضعفها. وعندما تكون الدولة قوية وتعليمها جيد.
ويلعب مثقفوها دورهم المؤثر في التنوير، تكون النتيجة إما تحجيم الضغط الاجتماعي واختفاءه، أو تحول دوره ليكون إيجابياً.وهذا رهان صعب وتحدٍّ جديد، يضاف إلى التحديات العديدة في حياتنا المعاصرة.
كاتب كويتي