أفرزت الثورة المعلوماتية أو الثورة الرقمية، أو ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعرفة، حالة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية جديدة. إنها حالة لم يعد فيها العالم، وبفعل ذلك، كما كان منذ حقب زمنية بعيدة أو قريبة.
إنها حالة، كما يعتقد البعض قادت وتقود لعالم دون قيود. إنه عالم، كما يقول بارلو، يقع خارج إطار الدولة، بل إنه عالم يقع خارج إطار مفهوم الإقليم بمعناه التقليدي، وبحدوده الجغرافية المعروفة.كما أنه عالم يقع خارج إطار الضوابط والكوابح المعروفة، سواء أكانت هذه ضوابط من صنع الدولة أو المجتمع.
إنها حالة تقتضي إعادة النظر في مفهوم الدولة كضابط وسلطة مهيمنة على المجتمع، بل إنها حالة يقصد منها إعادة تعريف الحدود والجغرافيا والولاء الوطني، إلى حالة أقرب لما يسمى بالمجتمعات المتخيلة أو الافتراضية، التي لا تعرف الدولة ولا تعرف حدود الوطن القومي.
وهو عالم تختفي فيه القوانين والأنظمة والأعراف والأحكام الضابطة للفعل. فهو العالم الذي تختفي فيه كل ضوابط البشر في عالمهم الرسمي وغير الرسمي.
فشرعية الفعل في هذا العالم، هي ليست بشرعية الفعل في عالمنا المعاش، وهو بالتالي فعل لا يقام وفق ما حُدد من شرعيات معروفة، كما لا تنسحب عليه حدود القصاص للفعل: في القول والسلوك.
إنه العالم الذي لا يَعرف فيه أفراده بعضهم بعضا، فهم يتفاعلون خارج القنوات والشبكات التي وفقها تنسج العلاقات الاجتماعية في مجتمعاتنا الطبيعية منذ بدء الخليقة حتى الآن.
إنه أقرب لعالم الفوضى الذي يبيح لأفراده أن يفعلوا ما يحلو لهم أن يفعلوه، دون خوف من ردة فعل الدولة أو من قمعها. وهم يفعلون ذلك دون ضابط أخلاقي أو ديني أو قانوني.
إنه العالم الذي يباح فيه الممنوع في الفعل: من قول وكتابه وممارسة، وهو العالم الذي يتساوى فيه فعل الخير ونقيضه، والحب ونقيضه.
إنه العالم الذي رغم الوجود الفيزيقي والفعلي لأفراده، إلا أنه يتيح للفاعلين فيه التخفي عن بعضهم البعض، وعن السلطة الأمنية للدولة، خلف أسماء وهمية وعوالم مجهولة.
إنه العالم الذي يتم فيه كسر السلطة، بالمفهوم الذي نعرفه في الفضاء السياسي، وكسر السلطة كما هي في الفضاء الأسري.
إنه الفضاء الذي يتيح لأفراده التفكير في اللامسموح في الواقع، بل وفعل اللامسموح والكتابة خارج المألوف في الفضاء الثقافي، والإيمان بما لم نتعارف عليه في عالمنا المعاش.
إنها حالة تنتقل فيها السيادة والسلطات، من أنساقها التي تعارفنا عليها وتشكلت في المجتمع البشري عبر رحلته التاريخية الطويلة، وعبر جهد بشري قدر بهذا الإنجاز الحضاري في العوالم البشرية المختلفة عبر التاريخ.
إلى سلطات تُخلق في هذا العالم السيبرني، الذي يخضع لآليات تحكم جديدة، وإلى ثقافة تحكمها المعلومة وآليات صناعة المعلومة وتكنولوجيا التواصل الذاتي والجماهيري في عالمنا المعاصر.
إنه نمط أقرب في سمات بنائه الاجتماعي، لما يسميه مانويل كاستيل بـ «مجتمع الشبكة في زمن وعصر المعلومة»، الذي بات يعبر عن نفسه في بنائنا المؤسساتي، في الكثير من مجتمعات المعمورة.
كاتب بحريني