تراجع الانتماء العروبي بين كافة الشعوب العربية بدرجة غير مسبوقة؛ فعلى عكس التوجه العروبي الذي نما بدرجة كبيرة في ستينيات القرن الماضي، فإن الواقع العربي الراهن يؤكد على الانكفاء القطري والمصالح الذاتية.
وحتى العلاقات بين بعض الدول العربية الآن، تتم إما نكاية في الآخرين من دول المنطقة، أو من أجل اتقاء شرورهم، أو من أجل المظاهر الخادعة والرغبة في الإحساس بالمكانة والانتقال إلى مصاف الكبار.
ورغم ذلك فإنه لا يمكن القول بموت العروبة ونهايتها، فهذا التصور مجافٍ للكثير من معطيات الجغرافيا والتاريخ والدين والمصير المشترك، وغيرها من الثوابت الأخرى التي نشأنا عليها وارتبطنا بها.
من هنا تصبح محاولة التعرف على الكيفية التي يعبر بها الخطاب العربي المعاصر عن توجهاته العروبية، محاولة مشروعة في ضوء التراجع الكبير في هذا التوجه والنتائج السلبية الناجمة عنه.
ما زال النهج العروبي سائدا في الخطاب السياسي العربي، بدرجة أو بأخرى. وسواء اقتنع الحكام والمسؤولون العرب بما يقولونه أم لم يقتنعوا، فإن إحدى السمات المرتبطة بخطابهم، تتمثل في التأكيد الدائم على تدعيم اللحمة والأواصر العربية، عند أي لقاء يتم بينهم أو عبر مؤتمرات القمة العربية المختلفة.
وينسجم التأكيد على الروابط العربية مع أحلام الشعوب التي ما زالت ترتبط بالحلم العربي.فمن الصعوبة بمكان أن يعلن أي حاكم عربي رفضه للعروبة وما ينتج عنها، حتى لو كان في قرارة نفسه مقتنعا بذلك، فالخسائر الشعبية فادحة تنتقص منه ومن هيبته.
ومن مفارقات القدر أنه رغم التراجع الكبير في أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة لمعظم الرسميين العرب، إلا أنها ما زالت تمسك بتلابيبهم وترفض فراقهم.وتلعب القضية الفلسطينية، سواء أراد هؤلاء أم أبوا، دورا كبيرا في التأكيد على النهج العروبي، سواء من خلال مواجهة العدو الإسرائيلي أو الحفاظ على الأقصى ومحاولات تهويده.
فمن يستطيع الحديث عن الوضع الفلسطيني دون الحديث عن المواجهة العربية الإسرائيلية المحتملة، أو حتى عن الدور العربي المأمول رغم ضعفه وتراجعه! كما أن معظم وسائل الإعلام في المنطقة، مهما خففت من لغة معاداتها للعدو الصهيوني، فإنها تجد نفسها، ربما من باب التقية.
في وضعية أفضل من خلال توصيف الصراع على أنه صراع عربي إسرائيلي، سواء جاء ذلك عن قناعة أو لمجرد ذر الرماد في العين، وهو استخدام يمكن أن نطلق عليه «الاستخدام النفعي» للعروبة.
وإذا كانت القضية الفلسطينية قد تجمع العرب في بعض الأحيان، فإنها أيضا، مثلها مثل غيرها من القضايا الأخرى، تفرقهم في معظم الأحيان، وهو أمر يعود بالخطاب العربي مرات عديدة للحديث عن العروبة والأخوة العربية.
فالخطاب العروبي في هذا السياق خطاب أقرب للقاءات المجالس الأخوية، أو بلغة المصريين لقاءات «المصاطب». ففي العديد من أجواء المشاحنات والمصالحات، كثيرا ما يتم التذكير بالانتماء العروبي والأخوة ونبذ الشقاق.
واللافت للنظر هنا، تراجع التنويه بالانتماء العروبي لصالح التذكير بالانتماء الإسلامي. ومما يعزز ذلك التوجه، إمكان الطعن في انتماء البعض العروبي وصعوبة تكفير الآخرين واتهامهم في إسلامهم.
بل إن الكثير من الأعراق المختلفة في العالم العربي، ترفض التهليل للعروبة والحديث عنها، لصالح أعراقهم المختلفة، مؤكدين في الوقت نفسه على عمق ارتباطهم بالإسلام.
فتحت وطأة العراك الإعلامي المصري الجزائري في الفترة الأخيرة، كان البعض يؤكد على فرعونيته والبعض الآخر يؤكد على أمازيغيته، في الوقت الذي اجتمع فيه الطرفان على الإسلام.
ومن أبرز استخدامات الخطاب العروبي الآن، ما يمكن تسميته ب«الاستخدام الاحتفالي». فالكثير من الدول العربية تبرز إنجازاتها، من خلال وصفها بالإنجاز العربي.
يظهر ذلك بشكل خاص في مجال الرياضة وغيرها من المناسبات الاحتفالية الأخرى. ومرة أخرى نعود لأحداث مصر والجزائر؛ ففي ظل الصراع المتبادل بين إعلام وجماهير البلدين.
كان كل منهما يؤكد على أهمية إنجازه، فالمصريون يرون في حصولهم على كأس الأمم الأفريقية إنجازا للعرب، والجزائريون يرون أنهم ممثل العرب الوحيد في كأس العالم القادمة. في هذا السياق تتوارى النزعات الضيقة، أمازيغية كانت أو فرعونية، ليبرز الاحتفاء بالسياق العربي بمعناه الجغرافي المتعارف عليه.
لا تقف المسألة فقط عند مصر والجزائر، لكنها تتعدى ذلك لكافة الدول العربية، فأي إنجاز رياضي إقليمي أو عالمي، يتحول في النهاية ليصبح أول أو أهم إنجاز عربي، كما أنه يرتبط بتشريف العرب ورفع قامتهم عالية خفاقة.
وكما يظهر ذلك التوجه واضحا في مجال الرياضة، فإنه يظهر كذلك في مجالات أخرى، مثل الغناء والتمثيل والأدب. فما زال ربط الإنجاز بالعروبة يمثل فخرا يعلي من شأن الفرد ويبرز أهميته، كما يعلي من قامة الدولة صاحبة الإنجاز.
يحتاج الانتماء العروبي والمظاهر المرتبطة به، إلى العديد من الدراسات البينية المختلفة، التي تأتي في صدارتها الدراسات السياسية والإعلامية ومناهج تحليل الخطاب، وبشكل خاص في ضوء التراجع الشديد لهذا الانتماء، والانتكاسات العربية المتلاحقة التي تواجه العالم العربي الآن.
كاتب مصري