لو اعتقدت فرقة القتل التي تعمل بإشراف حكومي، والتي اغتالت القيادي في حركة حماس محمود المبحوح، أنها ستتمكن من استخدام أراضي الإمارات العربية المتحدة مسرحاً لجريمتها دون الخشية من أي عواقب، فقد خاب ظنها.
لا أشك في أنهم ظنوا أنهم سيتمكنون من دخول دبي وقتل ضحيتهم بطريقة تجعله يبدو وكأنه تعرض لأزمة قلبية، قبل أن يغادروا دون أن يتركوا أثراً وراءهم. ولو كان مسرح الجريمة أي دولة أخرى في المنطقة، لربما كانت خطتهم قد نجحت.
ولكن ليس في دبي! لقد أيقنت شرطة دبي سريعاً أن الوفاة لم تكن طبيعية، غير أنها أجلت إعلان ذلك لئلا يتنبه القتلة إلى أنها تقوم بتحقيقاتها في الجريمة. لم يساورني أدنى شك في الحرفية والكفاءة التي تتمتع بها شرطة دبي، غير أني حتى وقوع تلك الجريمة، لم أكن أدرك حقاً حجم قدراتها الحقيقية.
نعم، شعرت بتقدير كبير جداً لنهج العمل الهادئ الذي تمكنت به شرطة دبي من التعامل مع جريمتي قتل المغنية اللبنانية سوزان تميم والقائد الشيشاني سليم ياماداييف في السنوات السابقة، غير أن تعاملها مع جريمة اغتيال المبحوح بلغت حد الكمال.
وقد صدق القائد العام لشرطة دبي، الفريق ضاحي خلفان، الذي قال «من يأتي دبي من وراء ظهرنا فليحم هو ظهره، وهذا ينطبق على كل أجهزة الاستخبارات في العالم...».
إن تلك أبعد ما تكون عن مجرد كلمات رنانة، إذ خلال 20 ساعة فقط بعد الجريمة، كانت نسخ جوازات 11 مشتبهاً فيه، بريطانياً وإيرلندياً وفرنسياً وألمانياً، موجودة على المكتب أمامه.
وبقيت تفاصيل الجريمة طي الكتمان، إلى أن أعلن عنها ضاحي خلفان للعالم في مؤتمر صحفي يوم 15 فبراير، كشف فيه عن طريقة تنفيذ الجريمة وهويات القتلة وصورهم، وكم هائل من الصور التلفزيونية عالية الجودة لتحركاتهم.
وقد قال «مصدر إسرائيلي» لصحيفة «صنداي تايمز» البريطانية إن الموساد كان يعلم بأمر كاميرات المراقبة الأمنية في دبي، غير أنه فوجئ بقدرة الشرطة على تجميع أجزاء الصور معاً في تسلسل منطقي بهذا القدر من الإحكام. ومنذ المؤتمر الصحفي المذكور، أعلنت الشرطة عن سيل من المعلومات.
أولاً، قالت إنها متأكدة بنسبة 99% أن القتلة هم عملاء للموساد الإسرائيلي. وحقيقة أن سبعة جوازات على الأقل كانت مستنسخة من جوازات إسرائيليين يحملون الجنسية البريطانية، تؤيد ذلك.
ثانياً، اكتشفت الشرطة أن المشبوهين كانت بحوزتهم بطاقات ائتمان، تحمل الأسماء نفسها التي تحملها جوازات السفر التي استخدموها، ومعلومات عن المكان الذي اشتروا منه تذاكر السفر.
ثالثاً، اكتشفت الشرطة أن القتلة كانوا يتصلون ببعضهم، باستخدام أجهزة اتصال غير متوفرة في الإمارات، لإرسال رسائل مشفرة تمر عبر النمسا.
كان نجاحاً عظيماً، نجاحاً جعل صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، تنشر مقالاً بعنوان «فرقة الاغتيال ربما تكون نادمة على الاستهانة بشرطة دبي»، التي وصفتها بأنها القوة «الأفضل في الدول العربية».
كما كان عظيما بالقدر نفسه، تلك الطريقة المباشرة والصريحة التي طلب فيها القائد العام لشرطة دبي، بإصدار مذكرة جلب دولية لرئيس الموساد الإسرائيلي مائير داغان، في حال ثبوت تورط الموساد في الجريمة بشكل جازم. وهذا يعني أن الإمارات لن تشعر بالخوف، إذا ما كان خصمها عملاء أكثر أجهزة الاستخبارات وحشية في العالم.
الشرطة في الإمارات، وعلى وجه الخصوص شرطة دبي، كانت أول جهاز شرطة عربي يستخدم اختبارات الحمض النووي وتقنية تحديد الموقع العالمي والبصمات الإلكترونية.
كما كانت أول قوة شرطة تؤسس دوائر تعمل إلكترونياً بالكامل دون معاملات ورقية، كما يعرف عنها استخدام تقنيات المقاييس الحيوية والاختبارات الجنائية الأكثر تطوراً.
وتتويجا لكل ما سبق، فإن شبابنا في شرطة دبي على درجة عالية من النزاهة، ويُشهد لهم بإنسانيتهم في التعامل حتى مع الخارجين على القانون.
وآسف أن دولاً عربية قليلة فقط، لديها قوات شرطية تقارب في مستوياتها، ولو من بعيد، الشرطة في الإمارات. أما أغلبها فمشهورة بقسوتها أو بانعدام كفاءتها وتخلفها.
وما يحزنني أكثر حينما أسافر في بعض الدول العربية، هو أن أرى ضباط وعناصر الشرطة بهندام مهلهل، والأسوأ أن أراهم متكئين على جدار هنا أو جدار هناك وسجائرهم في أفواههم، فيما المفترض أن يكونوا خير سفراء لحكومات بلادهم.
بعض الدول العربية يعتمد على كثرة العدد بدلاً من النوعية، حيث تجد شرطييها وسياراتهم السوداء في كل مكان، وكأنهم يثبتون لزائر البلد أنه في دولة بوليسية! صحيح أن تعداد الشرطة في الإمارات ليس بالقليل، لكنهم غير ظاهرين للعيان في كل مكان، مثلما هي أيضاً حال كاميرات المراقبة الأمنية.
في الإمارات لا تستغرب إن تجولت بسيارتك طوال اليوم، دون أن تلمح الشرطة سوى مرة أو مرتين. لكن لا تُخدع! نعم، ربما لا تراهم، غير أنهم في كل مكان. وهدفهم الأول ألا يتعرض سكان البلد من كافة الجنسيات لأي ضير.
وهذه ليست بالمهمة اليسيرة، بالنظر إلى طبيعة الإمارات المنفتحة على العالم. إلا أن المهارات والخبرات المتقدمة والمتطورة لدى الشرطة، تجعلهم قادرين على التوصل للمعادلة الصحيحة بين الحرية الفردية والأمن.
ربما يكون من المفيد حقاً أن تبدأ أجهزة الشرطة في دولة الإمارات، بتوفير التدريب والمشورة لأجهزة الشرطة في الدول الأخرى في المنطقة، الطامحة لأن تبلغ المستوى الرفيع الذي بلغته شرطتنا.
أنا مواطن إماراتي فخور بقوات الشرطة في بلادي، وبالصورة المتميزة التي ينظر بها العالم إليها. وبدلاً من أن ننظر إلى مستويات عملهم الراقية وكأنها شيء طبيعي، حري بنا أن نتفكر قليلاً في العمل الكبير والمتميز، الذي يقومون به لنعيش آمنين مطمئنين.
لقد أثبتت شرطتنا مراراً وتكراراً أنها جديرة بكل الثناء والتقدير، وما تعاملها البارع مع هذه الجريمة سوى الحلقة الأخيرة الأكثر لمعاناً في سلسلة طويلة من الإنجازات المتوالية.
نعم، ربما لن تطال يد العدالة قتلة محمود المبحوح بأي عقاب على جريمتهم، إن لم يتوفر تعاون مخلص على مستوى دولي لتحقيق ذلك. وإن كانوا عملاء للموساد يقيناً، فلربما يكونون مختفين في جحورهم الآن، قبل مغادرتها بأسماء وربما بوجوه جديدة.
ولكن أياً كانت النتيجة، فإن شرطة دبي تستحق الثناء على ما أنجزته في تعاملها مع هذه القضية. وبالأصالة عن نفسي، أقدم تحيتي لكل يد ساهمت في إطلاق رسالة قوية وصريحة، مفادها «لا تعبثوا مع دبي»!