منذ أسابيع قليلة، انعقد في مدينة ناشفيل في ولاية تينيسي الأميركية، أول مؤتمر عام لحركة «حفل الشاي» التي قد تلعب دورا بالغ الأهمية في تحديد مستقبل السياسة الأميركية.والحركة الوليدة هي حركة سياسية يمينية، بدأت أولى إرهاصاتها في فبراير من العام الماضي، أي بعد أقل من شهر واحد على تولي أوباما الرئاسة.
وهي أخذت في البداية شكل سلسلة من الاحتجاجات المحلية في طول البلاد وعرضها، في ما بدا رفضا لسياسات أوباما والكونغرس الديمقراطي الاقتصادية، بدءا بقانون إنعاش الاقتصاد ومرورا بدعم البنوك والشركات الكبرى المتعثرة، ووصولا لمشروع قانون الرعاية الصحية.
ثم بدأت الحركة تأخذ شكلا أكثر قوة في الصيف، أثناء عطلة الكونغرس التي يستغلها الأعضاء عادة لعقد لقاءات مع الناخبين في دوائرهم.في ذلك الصيف شهدت عشرات من تلك اللقاءات مواجهات بالغة العنف، بين أعضاء الكونغرس، خصوصا الديمقراطيين، وبين ناشطي الحركة، اضطر الأعضاء في أغلبها للخروج من القاعات في حماية رجال الأمن.
و«حفل الشاي» هو اسم له دلالة رمزية، تضرب بجذورها في عمق التاريخ الأميركي.ففي عام 1773 شهدت بوسطن ما صار يطلق عليه «حفل بوسطن للشاي»، وهو التمرد الذي ألقى خلاله الأميركيون بالشاي في عرض البحر، احتجاجا على فرض بريطانيا الضرائب عليه.
وكانت تلك الواقعة هي إحدى الشرارات الأولى لانطلاق الثورة الأميركية ضد بريطانيا، ثم إعلان الاستقلال.ومن هنا، أطلق الغاضبون الأميركيون الجدد اسم «حفل الشاي» على حركتهم الرافضة لسياسات أوباما، والتي يعتبرونها سياسات تدفع بلادهم «على طريق الاشتراكية».
والحقيقة أن الحركة مكونة من مئات الجماعات والمنظمات المحلية المستقلة، التي تختلف في توجهاتها وميولها.فمنها جماعات يمينية معروفة وموجودة على الساحة منذ عقود، ومنها جماعات أخرى بالغة التطرف، وبعضها له طابع عنصري لا تخطئه العين يتهم أوباما بكل شيء، فهو عندهم شيوعي ومسلم وولد خارج أميركا، بما يعني أن رئاسته لأميركا غير دستورية.
غير أن من أهم ملامح هذه الحركة أيضا، أنها حركة «بيضاء» بامتياز، في مجتمع أوشك غير البيض أن يصبحوا فيه الأغلبية.ورغم أن ما ترفضه الحركة واضح تماما رغم تعدديته، إلا أن الأقل وضوحا هو أجندتها وتأثيرها على مستقبل أميركا.
وقد شهد المؤتمر الأول للحركة تناقضا صارخا بين ما تعلنه عن أهدافها، وبين ما حدث على أرض الواقع.فالحركة التي تزعم أنها حركة قاعدية، تعبر عن البسطاء والمواطنين العاديين وتناهض السفه الحكومى في الإنفاق، إذا بها تعقد مؤتمرها العام في واحد من أفخم الفنادق.
وتطلب من رواد المؤتمر 550 دولارا لحضور المؤتمر، ثم تتعاقد مع سارة بيلين لإلقاء كلمة الافتتاح مقابل 100 ألف دولار!وقد أدى كل ذلك وغيره إلى انقسامات داخل الحركة، واتهامات متبادلة بالسعي لاختطاف الحركة أو لاستغلالها من جانب قوى أو جماعات أو أشخاص بعينهم لتحقيق مكاسب شخصية.
والحقيقة أن الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، سوف توضح الكثير بشأن المستقبل الذي ستؤول إليه الحركة.فمن الوارد أن تنفجر الحركة من الداخل ويقتصر تأثيرها على تأثير المنظمات المختلفة المنضوية تحت لوائها، ومن الممكن أن تشكل الحركة بداية لتحول يميني جديد في أميركا، أكثر راديكالية مما شهدته أميركا حتى الآن.
وهناك سوابق في التاريخ الأميركى لحركات انفجرت من داخلها، ثم صار تأثيرها مقتصرا على منظمات تعبر عنها.ولعل جماعة «جون بيرتش» في الخمسينات و«متحدون يا أميركا» في التسعينات، مثالان على ذلك.
فجماعة «جون بيرتش» منظمة يمينية متطرفة، لعبت دورا مهما في الخمسينات والستينات، وانضم لها الكثير من رموز الحزب الجمهوري بزعم أنها معادية للشيوعية، رغم أنها كانت بالغة التطرف إلى حد اتهام أيزنهاور بأنه عميل شيوعي، وروزفلت بأنه كان يعلم بالهجوم الياباني على بيرل هاربر.
والمنظمة كانت تعبر عن حركة واسعة النطاق في المجتمع وقتها، هي حركة مناهضة الخطر الشيوعي.ورغم أن تلك الحركة ما زالت موجودة حتى الآن في أميركا، فإن نفوذها اقتصر على منظمات محدودة، مثل منظمة «جون بيرتش» ذاتها التي لا تزال موجودة حتى الآن.
أما حركة «متحدون يا أميركا» فقد بدأت بحملة روس بيرو الانتخابية في 1992، والتي عبرت عن غضب شعبوي قريب الشبه بالمضمون الذي تعبر عنه حركة حفل الشاي (فحملة بيرو كان جوهرها العداء لعجز الموازنة كما هو الحال الآن).لكن الحركة فيما بعد انفجرت هي الأخرى من داخلها، ولم يبق منها إلا المنظمة التي نشأت لاحقا لتعبر عنها.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن تزداد الحركة قوة مع الوقت، وهو ما لن يحدث إلا إذا هيمنت على مقدرات الحزب الجمهوري.هنا يكون السؤال أي القوى داخل الحركة هي التي ستهيمن عليها ثم على الحزب الجمهوري؟
هل هي القوى التي بإمكانها ترشيد السياسة الأميركية، كما فعلت القوى التي أيدت روس بيرو فدفعت كلينتون دفعا في التسعينات للاهمتمام بعجز الميزانية؟ أم القوى المتطرفة التي من شأنها جر الحزب الجمهوري وأميركا كلها مزيدا نحو يمين راديكالي؟
بعبارة أخرى، رغم أن الإعلام الأميركي يركز في الواقع على ما تمثله الحركة من تحد خطير لأوباما وحزبه في أول انتخابات قادمة، إلا أن ما لا يقل أهمية عن ذلك، هو ما تمثله الحركة من تحد أخطر يواجه الحزب الجمهوري، حزب اليمين في أميركا.
فالعلاقة بين الحزب الجمهوري وتلك الحركة، ربما تحدد شكل السياسة الأميركية كلها لسنوات قادمة.
كاتبة مصرية
