ما أحدثه الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي، بعد المؤتمر الصحافي للإعلان عن تفاصيل عملية اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح، من ردود فعل عالمية أذهلتها حنكة وحرفية شرطة دبي، يجعلنا نقف أمام تجربة هذه الشرطة التي ظهرت كجهاز أمني عربي متطور، شفاف، وعلمي في منهجه، لا يخضع للمحسوبيات، ولا يرضخ للضغوط.
والسؤال:ما الذي جعل هذه الشرطة متألقة، متطورة لهذا الحد الذي جعل العالم يتابع تفاصيل الاغتيال لحظة بلحظة، عبر تجميع لقطات الكاميرات الالكترونية المزروعة في كل مكان في دبي، وكأننا أمام فيلم وثائقي عجز أعظم كتاب السيناريو والمخرجين عن رسم تفاصيله، وباحترافية عالية؟
الجواب، وببساطة، لأن شرطة دبي رفعت شعار «الإنسان قبل المكان» وطبقته بحذافيره، ولأنها بتجربتها كجهاز شرطة حضاري، عودتنا أن تقدم بطاقات التهنئة والورود والحلوى للمخالفين أيام الأعياد متمنية لهم السلامة، ليست منفصلة عن منظومة تجربة دبي بشكل عام..أو ليس الأمن والأمان أولى دعائم وركائز الاستثمار والتنمية؟
عناصر شرطة دبي، على اختلاف مواقعهم ورتبهم، كانوا بحق مثالا رائعا للخلق الكريم، والأدب في التعامل، وقد أجبرونا على حبهم واحترامهم وأن نعقد صداقة معهم، لأنهم يمتازون بالطهارة: طهارة اللسان، طهارة القلب، وطهارة الكف.
حيث لم يحدث أن دنس شرطي في دبي شرف المهنة بعلبة سجائر، أو بثمن بخس من الدراهم، أو بإصبع موز، أو حبة علكة، كما حدث ويحدث للأسف في بلدان أخرى عديدة، دون ذكر الأسماء.
إنني على استعداد للدخول بتحد مع أي إنسان وطئت قدمه أرض دبي: مقيما، زائرا، سائحا، أو مارا مرور الكرام «ترانزيت»، والتقى بأحد أفراد شرطة دبي أو تعامل معهم، وخرج بانطباع سيئ، أو ملاحظة سلبية.
لقد ضربت مثلا رائعا يحتذى في التعامل الحضاري مع أي إنسان، كأناس وآدميين لا بهائم في حظيرة حيوانات.
هل سمعتم من قبل عن قسم في أي شرطة لرعاية حقوق الإنسان؟ بكل تأكيد سيكون جوابكم:لا..وألف لا، وإن وجدت فصورية.أما في دبي فالمسألة مختلفة تماما، لأن قسم حقوق الإنسان في شرطة دبي أخذ على عاتقه حفظ حقوق وكرامة الإنسان، مهما كان جنسه أو جنسيته.
في لقاء تلفزيوني سابق، قمت بإعداده، مع الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي، سئل عن رأيه في الشرطة العربية فأجاب:لقد قررنا في شرطة دبي عدم الاحتفال بيوم الشرطة العربية، إلى أن تحفظ هذه الشرطة كرامة الإنسان العربي وتعيد له اعتباره كإنسان حر.
وتاريخ دبي المعاصر سيحفظ لشرطة دبي السبق في تطبيق شعار «إدارة بلا أوراق».وفي لقاء مع الفريق ضاحي (أبو فارس) في مكتبه، بادرني بالسؤال، قبل أن أساله وأنا الصحافي القادم لإجراء حوار معه: هل اطلعت على موقعنا في الإنترنت؟ فأجبته:بصر احة؛ لا.
قال:أنصحك بالدخول لموقعنا لتتعرف مباشرة على خدماتنا وإنجازاتنا.سألته: وماذا عن جديدكم، حيث عودتنا على كل ما هو مثير، وجديد؟ قال:برنامج يحمل عنوانا طويلا وغريبا «أنت تذهب إليهم، ونحن نأتي إليك».
حيث انتقلنا من موقعنا في القيادة العامة لشرطة دبي إلى المراكز التجارية والجمعيات التعاونية، وصار بإمكانك شراء بصل..عسل..لبن..تمر هندي، والاطلاع على خدماتنا الالكترونية، بتنا نمارس التجارة، نتعامل بمنطق التجار، وليس كدائرة حكومية!
تابعت الحديث معه حول الانترنت ومخاطره وضرورة إصدار قوانين تواكب التطورات واستحقاقات المرحلة، وختمت بالسؤال عن رأيه في الحكومة الالكترونية في بداياتها، فأجابني:مشروع واعد يحملنا لآفاق الألفية الثالثة على جناح السرعة، مشروع ينقلنا من عصر الورق لعصر التكنولوجيا.
مشروع يحملنا لعصر مقبل يحمل في طياته الكثير من التحديات، عصر احتلت فيه الشاشة مكان القلم، رغم الفرق الشاسع بينهما سعريا، نشتري القلم ب20 فلسا، وسعر الشاشة الذكية ب2000 درهم، ورغم ذلك نقول: نحن الرابحون.
نعم، لقد ربح الرجل الكثير بعد إعلانه تفاصيل اغتيال المبحوح، وباتت تتناقل تصريحاته ومؤتمراته الصحافية وكالات الأنباء العالمية، فاختلطت أوراق حكومات ووزارات خارجية عالمية، وأشعلت الورق، لكنها ستبقى محفورة في ذاكرة العالم.
كاتب وإعلامي فلسطيني