قبل فترة من الزمان أبدى المفكر الإفريقي علي مزروعي، يأسه من مستقبل الدول الإفريقية المستقلة، واقترح عودة الاحتلال؛ لأن إداراته كانت بالنسبة إلى الشعوب أفضل من إدارة الوطنيين الذين خلفوه.

السودان إذ يعاني تأزماً مصيرياً، ليس بدعاً من كثير من الدول الأخرى، وإن كان اليوم يمثل حالة احتضار توجب تشخيصاً موضوعياً للداء، ووصف الدواء.

الحالة السودانية الحاضرة حصيلة تراكمية لستة نظم خلفت دولة الاحتلال:

1.مسؤولية النظم الديمقراطية الليبرالية الثلاثة، التي أفلحت في إقامة نظام ديمقراطي ليبرالي كامل الدسم، على وطن كامل السيادة، ولكن يعاب عليها:

أ.الغفلة عن مخاطبة الجانب الإيديولوجي، في وقت برز فيه التساؤل عن الهوية، واتخاذ موقف من طرفي الحرب الباردة.

ب.نقل التجربة الليبرالية الديمقراطية، دون مراعاة لضعف الانتماء القومي، وقوة الانتماء العشائري والجهوي الموجب للتوازن.

ج.النظم الديمقراطية الليبرالية في العالم كله، تضم أقوى المؤسسات الأمنية والشرطية لحماية نفسها.

ولكن التعطش للحريات بسبب النفور من قمع النظام السابق الاحتلالي الأجنبي أو الوطني، جعل النظم الديمقراطية الليبرالية مكشوفة الظهر أمنياً وإعلامياً.

د.التركيبة السياسية السودانية منذ انشقاق مؤتمر الخريجين العام، وعلى خليفة الانقسام التقليدي الأنصاري/ الختمي، حرمت الحركة السياسية من حزب غالب كحزب المؤتمر في الهند، أو المؤتمر في جنوب إفريقيا، وفرضت تركيبة ائتلافية هشة.

ه.سياسة المناطق المقفولة في الجنوب أسست لنوع من «الآبارتايد»، ما جعل الحركة الوطنية التي تكوّن وعيها في الشمال ترفض نتائج تلك السياسة، وتسعى لنقضها.

و.وكان أسوأ أخطاء النظم الليبرالية الديمقراطية، هو استعانة رئيس الوزراء الثاني بعد الاستقلال بالقوات المسلحة، لضيقه بالتنازع الحزبي، ولقطع الطريق أمام ائتلاف يوشك أن يقيمه حزبه مع حزب المعارضة الوطني الاتحادي.هذا التصرف أجهض التجربة الديمقراطية، وبذر بذرة «السوسة» الانقلابية.

2.نصيب النظام الانقلابي الأول في التراكم المرضي (1958-1964):

أ.أسس لتقليد دور سياسي للقوات المسلحة وصاية على الحركة السياسية في البلاد.

ب.وطن فكرة تجريم التجربة الحزبية في العمل السياسي، والتطلع لحكم بلا أحزاب، وهو موقف اعتادته النظم الاستبدادية، ومعناه إلغاء الرأي الآخر، واحتكار القرار السياسي لحزب السلطة.

ج.كثيرون يؤرخون لبداية الحرب الأهلية بحوادث الجنوب في 1955، ولكن كان ذلك تمرداً وانتهى تماماً بشهادة تقرير القاضي قطران.البداية الحقيقية للحرب الأهلية الأولى كانت في عام 1963.

إذ اجتمعت العناصر السياسية الجنوبية التي شردها الانقلاب، بالعناصر العسكرية المشتركة في حادث 1955 وأطلق سراحهم في 1963.وعندما بدأوا عملاً مسلحاً، اتهم النظام العسكري الحاكم المبشرين المسيحيين الأجانب بدعمه فطردهم.ودعم النظام التبشير الإسلامي والتعريب في الجنوب، وحوّل إجراءات حفظ الأمن والنظام إلى حرب ذات بعد ديني وثقافي.

3.نصيب النظام الانقلابي الثاني في التراكم المرضي (1969-1985):

أ.في فترته الأولى، اتخذ النظام الانقلابي الثاني نهجاً ستالينياً بلون ناصري، وأسس لأول مرة لحكم الفرد المطلق، والإيديولوجية الرسمية، والحزب الواحد الحاكم، والإعلام المضلل، والأمن مطلق اليد، والنظام الاقتصادي المسيس لمصلحة السلطة.

في تلك المرحلة توشح النظام بتطبيق غوغائي للاشتراكية، فدمر القطاع الخاص الذي كان ناجحاً، وأخضع القطاع العام الموسع للبيروقراطية العقيمة، فأودى بجدوى الاقتصاد الوطني.

ب.نعم، بعد محاولة انقلاب 1971 استعان النظام بإثيوبيا الإمبراطورية، وبالغرب الذي رحب بقمع الشيوعية السودانية، واعتمد على تحضيرات النظام الديمقراطي الذي سبقه، فأبرم اتفاقية سلام أديس أبابا في 1972.

ولكن النظام الشمولي لم يحتمل الصلاحيات السياسية والإدارة اللامركزية التي أوجبتها اتفاقية السلام، فتخلى عن بعض بنود الاتفاقية من جانب واحد، ما أدى، ضمن عوامل أخرى، لتجدد الحرب الأهلية في عام 1982.

ج.هذه الحرب الجديدة كانت أخطر وأوسع من سابقتها، لسببين مهمين:

الأول:كان النظام متحالفاً مع مصر الساداتية تحت مظلة حلف «ناتو»، فتكون ضدهما حلف عدن الثلاثي تحت مظلة حلف «وارسو»، ما أقحم البلاد في لب الحرب البادرة، وأتاح للحركة الشعبية لتحرير السودان قائدة الحرب الأهلية الثانية فرصة واسعة للتسليح، والتدريب، والتمويل، والغطاء الدبلوماسي.

الثاني:بعد تجدد الحرب الأهلية في الجنوب، أعلن النظام تطبيقاً غوغائياً للشريعة الإسلامية على كل البلاد، فعمق أسباب النزاع.

د.منذ عام 1983 استبدل النظام اللوثة اليسارية بلوثة يمينية، فاستبدل شمولية في جوهرها ستالينية بشمولية فاشستية، واستبدل تحالفاً مع المعسكر الشرقي بتحالف مع الغربي.

ولكنه في الحالين أبقى على حكم الفرد، وسيطرة الحزب الواحد، مع استبدال شعارات الاشتراكية بشعارات إسلامية.

ه.أدخل النظام الشمولية ومؤسساتها الاقصائية القمعية في البلاد.

4.حصيلة النظام الانقلابي الثالث في التراكم المرضي:

أ.واصل النظام الانقلابي الثالث التطبيق الغوغائي للإسلام، بآلية نظام حكم فاشستي أكثر منهجية في التمكين لعناصره وقمع معارضيه، ما جعل تجربته «الإسلامية» أكثر مجافاة للعدل، والحرية، والتسامح.

ب.الإيديولوجية الإسلاموية التي طبقها النظام، جعلته يشعل حرباً لا هوادة فيها ضد معارضيه، وطبق عليهم سياسة استئصالية؛ من سجون، وتعذيب، وتشريد، ومصادرات.

وبقدر نجاحه في تدمير النسيج السياسي الاجتماعي السوداني، ألجأ كثيراً من القوى الاجتماعية للولاءات السابقة للحزبية: الإثنية والعشائرية، ولم يفلح في استقطابها لبديله الإيديولوجي.

رئيس وزراء السودان السابق

zakioffice@yahoo.com