بعد جريمة اغتيال المبحوح على أراضيها وانتهاك حرمة سيادتها، وتحويل بلاد ثالثة كطرف لتصفية الحسابات، قدمت شرطة دبي رسالة واضحة مفادها أن ذلك أمر مرفوض. وبنشر ذلك الشريط الفضائحي، دفعت العالم لرفع قبعته تقديرا لتلك الإمارة لكشفها عن تفاصيل الجريمة ومرتكبيها في فترة قياسية قصيرة.

وإذا كان الشريط الذي نشرته شرطة دبي كافيا لوضع مرتكبيه في خانة الإدانة والعري الفاضح، فإن شرطة دبي تؤكد أنها يقظة وعيونها مفتوحة، مثلما حضنها مفتوح للذين ينشدون السلام والعيش والطمأنينة.

ما بعثته شرطة دبي في رسالتها للعالم وللجهات المعنية بتنفيذ الجريمة، هو أن الشريط وحده يروي لغته دون ضجيج، وأن الطريقة الانتقامية من الأشخاص لا ينبغي أن تتم بتلك الأساليب المرفوضة دوليا. وبعد ذلك الشريط الذي صار حديث العالم كله، هل يجرؤ على العبث من يدخلون الإمارة الهادئة .

دبي والإمارات كلها، ليست ساحة مفتوحة لمن يود العبث بأمنها بتلك السهولة، فلدبي ليس عيونها الساهرة وحسب، بل وقلوبها الكثيرة التي تجد أمنها هو أمنهم، فمن يعيشون ويزورن دبي والإمارات يجدون كل تعاون ومحبة وطبائع مفتوحة على الغرباء والمقيمين.

ولكن ليس كما يتوهم الحمقى أن الأبواب السياحية المفتوحة، تتيح لهم فعل وتجاوز القوانين والإجراءات المتبعة لحماية الأمن المجتمعي.رسالة الشريط الفضائحي لمرتكبي جريمة اغتيال المبحوح، تطرح أسئلة عدة وتفرز نتائج كثيرة في ذات الوقت، فمن نفذوا الجريمة في بيت ليس بيتهم وفي مكان لا يحق لهم العبث فيه، لا يعني أنهم فوق يد العدالة الدولية ويد العدالة المحلية للقضاء ولشرطة دبي نفسها.

لقد وصلت رسالة دبي لمن يهمهم الأمر، وعليهم أن يكتشفوا ويتعلموا الدرس، بأن دبي ليست المكان الذي تستباح فيه الدماء لأطراف متنازعة. كما أن هناك مسألة أخرى من وجه العملة ونتائجها، وهي انكشاف مدى اختراق البيت الفلسطيني، الذي ينبغي على أهله أن يقرأوا الحدث بعقل بارد وحقيقة ملموسة، بدلا من تبادل الاتهامات والشتائم والتخوين.

بل علينا تقبل الحقيقة، فمن يحجز بتاريخ 18 يناير غرفته في الفندق، ويغتال خلال أربع وعشرين ساعة، يؤكد مدى اختراق منفذي العملية للجانب الفلسطيني، ومدى تواصل حلقة الاتصالات ما بين مكانين، هما مكان انطلاق الضحية عند سفره ومكان وصوله.

سرعة التنفيذ والتحرك وتوفير خطوط طيران والمغادرة والتجول داخل المدينة بهواتف نقالة، كلها تمت بدماغ أمني رفيع، ولكن خانته الكاميرات المدفونة في كل الأمكنة العامة، ويقظة شرطة دبي وحرفيتها العالية.

فقد «نسي» مصمم ومهندس عملية الاغتيال، أن في عصر التقنية والانترنت، ما عاد مجديا تزوير الجواز والاسم، بل وليس مجديا ارتداء نظارات أو وضع باروكة، فالوجه في النهاية كان نقطة الضعف في الجريمة.

إن اكتشاف الجزء المهم من الجريمة ومواصلة التحقيق في تفاصيل التفاصيل، كالمتابعة والملاحقة وتسليم الجناة، هو الجزء المتبقي من فضيحة الاغتيال. وهنا يقف أمامنا سؤال مهم كنتيجة لمثل تلك الجريمة؛ هل بإمكاننا اعتبار اقتحام سيادة بلد ليس طرفا مباشرا في النزاعات، عملا إرهابيا؟

هل مواصلة سلسلة الاغتيالات في خارج منطقة الصراع لعبة تجوز مواصلتها سياسيا حسب الأعراف الدولية أم توضع علامات الاستفهام، بأن هناك عودة للأساليب الموسادية القديمة التي عرفتها القضية الفلسطينية طوال صراعها مع إسرائيل؟!

إن التهكم والسخرية الفاضحة التي تناولتها الصحافة الإسرائيلية، كافية للدلالة على الشعور العام الاسرائيلي بالفضيحة ولسمعتهم دوليا، بعد نشر شرطة دبي ذلك الشريط «التاريخي في عالم الجريمة والإعلام».

ويؤكد لنا أن من سيصممون لهندسة جرائمهم في المستقبل، عليهم أن يفكروا بأساليب جديدة مختلفة، على الأقل أذكى من تلك الطريقة، وأقل من ذلك العدد الذي بدا جيشا من الكوماندوز ذهب لاصطياد رجل يبدو أنه لا يفهم خصومه جيدا ولا يفهم بيته من الداخل.

إن نقل الصراع وتصفية الحسابات بتلك الطريقة القديمة من عالم الاغتيالات، تذكرنا بزمن الحرب الباردة والأفلام الجاسوسية بين عواصم المدن، التي أمتعتنا زمنا بلذة المشاهد الفنية وحركات المطاردة البهلوانية، غير أن شرطة دبي جعلتنا نشاهد فيلما حيا مسليا ومضحكا لتلك المجموعة، التي كانت تتحرك كالدمى متوهمة أنها بلا عيون تلاحقها كحقيقة فاضحة.

الفيلم السينمائي الجديد للاغتيال في مدينة تحتفي بمهرجان التسوق، وأبطال الفيلم الحقيقيون وغير المعروفين هم شرطة دبي الجديرون بالتقدير والمهنية، والتي نالت بإعجاب وسام أكبر إنجاز أمني بكل المقاييس.

أما الصغار الذين لعبوا لعبتهم، فإنهم بالتأكيد يوارون سوأتهم ويضعون أيديهم على وجوههم، وبذلك نشارك صحيفة «معاريف» الاسرائيلية التي تساءلت بتهكم «هل تعرفتم عليهم؟»!

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com