انطلقت هذا الأسبوع الحملة الانتخابية في السودان، والتي يفترض أن تستمر حتى مطلع ابريل/ نيسان القادم، أي قبل أيام من إجراء الانتخابات.وقد أحدثت انطلاقة الحملة حراكا سياسيا محمودا، وإن كان عدم الاستعداد الجيد وسنوات الشمولية الطويلة، قد تركت آثارها السلبية واضحة.
ولكن من أهم النتائج، كسر احتكار الدولة أو حزب المؤتمر الحاكم للاعلام بطريقة مطلقة. وقد انطبق هذا الاحتكار حتى على الشريك: الحركة الشعبية، والتي لم تجد فرصتها كاملة في أجهزة الاعلام.ولم يكن امرا هينا على «المؤتمر»، ولكن مفوضية الانتخابات انتزعت عشرين دقيقة لكل مرشح للرئاسة.
وتحتاج اللجنة والمؤتمر الوطني إلى جهد كبير ومصداقية، لجعل الفرص متساوية حقيقة وبلا تحايل.ولجنة الانتخابات قد تكون راغبة في ذلك، ولكن خبرة المؤتمر الوطني في الاستئثار بموارد الدولة وتوظيفها في العمل الحزبي، قد يصعّب موقف الحياد على اللجنة.
ومن ناحية اخرى، لا تريد ولا تستطيع لجنة الانتخابات الدخول في مواجهة أو صدام مع حزب المؤتمر الحاكم، خاصة وقد بدأت حملة اتهامات بالفساد توجه لبعض اعضاء اللجنة، مما قد يوقعها أو بعض اعضائها في مصيدة الابتزاز.
أظهرت الحملة الانتخابية تدني الوضعية الفكرية والنظرية لجميع الاحزاب السياسية والشخصيات المستقلة. فقد كانت العروض التي قدمها المرشحون خالية من رؤية شاملة لسودان مهدد بالانقسام والتفتت، ويقترب من أزمة في الغذاء يطلق عليها ـ تخفيفا ـ صفة «الفجوة الغذائية»، وعادت في علاقاته الخارجية إلى موقع: رجل إفريقيا المريض.
وهذا يعني غياب رؤية تشمل الوحدة الوطنية والتعدد، والتنمية والدور الخارجي. وكانت الطروحات أقرب إلى لعبة تنس الطاولة (البينغ بونغ السياسي)، أي يرسل الطرف ضربة ويرد له الطرف الآخر الضربة.. وهكذا.
فعلى سبيل المثال هاجم مرشح المؤتمر الوطني، عمر البشير، حكومة الصادق المهدي بسبب صفوف الانتظار للسلع الغذائية في عام 1989.
وسارع المهدي بالرد أو السؤال:أيهما أحسن؛ صفوف البنزين والرغيف أم صفوف النازحين واللاجئين؟ وهكذا يبدو أن قدر الانسان السوداني أن يختار بين الصفين، وألا يعيش بلا صفوف مهما كان نوعها!وبهذه الطريقة يمكن قياس كل الطروحات والطروحات المضادة.وأخطر ما في هذا السجال خلوه من الاحصائيات والمعلومات الموثقة.
وهنا يقع اللوم على منظمات المجتمع المدني، بسبب تقصيرها في عمليات التثقيف الانتخابي والحزبي.ففي البلدان التي تقدمت في مجالات نشاطات المجتمع المدني، تتحمل منظمات المجتمع المدني مسؤولية تنظيم دورات تدريبية.
مثل:كيف تنظم حملة انتخابية؟ وكيف تقدم برنامجا انتخابيا مقنعا؟ وعقد ورش عن الدعاية الحزبية، والتمويل، والاعلام، والليالي السياسية... الخ.
أكدت الحملة الانتخابية شرعية الخوف من ظواهر الانشطارية والتشرذم التي تلازم الحياة السياسية السودانية، إذ يصعب على المرء أن يتخيل وجود 12 مرشحا لرئاسة الجمهورية.
فهذا يعني ـ عمليا ـ وجود اثني عشر أيديولوجيا، أو على الأقل موقفا سياسيا متميزا.لأن المرشح يريد أن يحكم بلدا مساحته مليون ميل مربع، وفيه قرابة الستمائة قبيلة أو فروع قبلية وإثنية، وله كل هذا القدر الهائل من المشكلات.
ومن ناحية اخرى، تقدم للجنة الاحزاب قرابة السبعين حزبا مسجلا.ولكم أن تتصوروا حجم الفوضى حين تنطلق الحملة، وكل يريد أن يعبر عن نفسه، وحجم التشويش الفكري والسياسي الذي يمكن أن تطلقه عناصر هذه الاحزاب حين تمسك بالمايكروفونات في الميادين العامة!وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بلغة الاقتصاد، التضخم السياسي، وبالتإلى تنخفض قيمة المعروض.
وفي سوق السياسة حين تكثر الاحزاب/ العرض، ويقل الطلب/ الساعين للانضمام للاحزاب؛ تفقد الاحزاب قيمتها كأداة في العمل السياسي.وهذا ما يفسر الرأي المتداول شعبيا:الاحزاب عديمة الفائدة وقد جربناها سابقا.وخطورة مثل هذا الرأي، مهما كانت سطحيته، أن الانقلابيين يعتمدون عليه في تبرير فشل التجارب التعددية الحزبية.
يرى علماء السياسة والمهتمون بالسياسة، أن الاحزاب وسيلة ناجعة، ليس فقط للتنشئة السياسية، بل للتنشئة الاجتماعية ايضا.فالاحزاب فضاء للتفاعل الاجتماعي والعمل الجمعي على أسس حديثة، بعيدا عن علاقات القرابة والدم.وهي تقوم بدور يشابه الاسرة والمدرسة، أي عملية التعليم والتعلم.
لذلك، تجدني أهتم كثيرا بوظيفة الاحزاب في تعلم الحوار وقبول الاختلاف والآخر. وفي الحملة الانتخابية، هناك فرصة للتمرين على الحوار وقبول الآخر، وهذا يعني إبعاد العنف بكل اشكاله عن ميدان الصراع والاختلاف.ومع بداية الحملة، لم يظهر أي عنف مادي، ولكن العنف المعنوي واللفظي ظهر مبكرا وقويا، والخوف من احتمالات تحوله إلى عنف مادي.
ولاحظت في الحملة الراهنة، أن المسؤول السياسي لحزب المؤتمر الوطني، نافع علي نافع، يسير على استراتيجية قائمة على استخدام أقصى درجات العنف اللفظي في مخاطبة الاحزاب، ويخلط الدين والهجاء والسياسة في لغة واحدة، حين يقول:«المؤتمر الوطني طالوت هذا العصر الذي يهزم جالوت بإذن الله»(صحيفة الاحداث، 2010212).
والغريب أن عناصر حزب المؤتمر الوطني، رغم خلفيتها الدينية الاسلامية، هي الأكثر عنفا لفظيا في مخاطبة معارضيها.ويبدو أنها ورثت هذا السلوك من معاركها في الديمقراطية الثالثة وقبل انقلاب الانقاذ، حيث كانت صحافتهم من أهم أسباب إضعاف الديمقراطية.
لذلك، لا بد من ميثاق شرف في لغة الخطاب الانتخابي، يفرض على الجميع الابتعاد عن المهاترة والدخول في الامور الشخصية.ويجادل البعض بأن الاوروبيين أنفسهم يتعرضون للأمور الشخصية.ولا أدري لماذا أصبح هذا الجانب جديرا بالتقليد في ثقافة الأوروبيين؟!
يفترض في هذه الانتخابات بالتحديد، الاهتمام بالبرامج المفصلة والقابلة للتنفيذ.ويعود هذا إلى المشكلات المعقدة التي سوف تواجه البلاد.ويجب عدم الخلط بين الشعارات الفضفاضة والبرامج الانتخابية.فالاحزاب في البلدان المتقدمة لديها مراكز بحوث متخصصة أو شعب تهتم بالقضايا الحيوية، وتمتلك المعلومات التي يمكن استخدامها في وضع السياسات أو نقدها.
ولكن أغلب الاحزاب لا تعطي لهذا الجانب كبير أهمية، لأن علاقاتها مع جماهيرها قائمة على الولاء التقليدي، بالإضافة إلى غلبة الأمية.ومن أهم عناصر الحملة الانتخابية، وهي الحاسمة للصراع الانتخابي، قضية التمويل.ومن الواضح أن كل الاحزاب تعاني صعوبات في هذه الناحية، ولكنها لم تستطع حتى الآن الوصول إلى صيغة تضمن التمويل بلا شروط.
كاتب سوداني
