في جولتها الخليجية الأخيرة التي شملت دولة قطر والمملكة العربية السعودية، واستهدفت حشد الدعم لمساعي واشنطن من أجل تشديد العقوبات على إيران، قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون يوم الإثنين 15 فبراير الجاري، في لقاء مع طلاب جامعيين في الدوحة.
إن الولايات المتحدة لا تنوي اللجوء إلى القوة ضد إيران بسبب أزمة ملفها النووي، وإنما تسعى إلى تعزيز الضغوط الدولية عليها عبر مجلس الأمن في الأمم المتحدة.
وأوضحت أن هذه الضغوط «ستستهدف خصوصا الشركات التي يسيطر عليها الحرس الثوري، والتي تعتبر أنها تحل محل حكومة إيران»، معتبرة أن «إيران تتجه نحو دكتاتورية عسكرية». وقد قالت كلينتون هذا الكلام في قطر، الدولة الخليجية التي تربطها علاقات وثيقة مع إيران.
مقولة السيدة كلينتون هذه عن إيران، يطرحها الآن كبار المحللين في الغرب، ولا سيما في ظل الصعود القوي لمؤسسة الحرس الثوري الإيراني، بعد مرور ثمانية أشهر على إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد في يونيو 2009.
وكانت مؤسسة «الحرس الثوري» هذه لعبت دورا محوريا في انتخاب أحمدي نجاد، المتحدر من بيئة ريفية متواضعة، في انتخابات 2005 التي فاز فيها علي رفسنجاني. فهو الرئيس الذي يشاطر »الحرس الثوري« المعتقد عينه وتبني نظرية ولاية الفقيه.
وهو الرئيس الذي أراد إرجاع إيران إلى صفاء مبادئ بداية الثورة الإسلامية عام 1979، وانتهج سياسة خارجية صارمة تجاه الغرب وإسرائيل، قلبت التوازنات الإقليمية لمصلحة إيران، ولا سيما عندما استمر يتحدى في سياسته هذه المجتمع الدولي، مدافعا عن البرنامج النووي الإيراني الذي لا يزال يثير جدلا إقليميا ودوليا كبيرا.
ولعبت مؤسسة «الحرس الثوري» دورا بارزا في مواجهة حركة المعارضة المدنية التي يقودها المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، وهي الآن تلعب دورا مركزيا أيضا في المحافظة على بقاء النظام الإيراني.
فمن هي هذه المؤسسة العسكرية ـ الأمنية الملقبة بالحرس الثوري، أو «الباسدران» بالفارسية، التي أصبحت تشكل العمود الفقري للسلطة في طهران، بل أصبحت السلطة الفعلية في إيران، حسب تقديرات الدول الغربية؟
تشكل «الحرس الثوري» من قبل آية الله الخميني، عقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران في 11 فبراير 1979. ومنذ ذلك التاريخ تحول «الحرس الثوري» إلى جيش في خدمة القيم والأهداف التي نادت بها الثورة.
وقد نال هذا الجيش شهادة الشرف والنبالة في التضحية في صحاري الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980-1988)، التي خلفت مليون قتيل.
ويقول الكاتب ألكسندر لوروا ـ بونان، في مقالة له بعنوان «إيران الرئيس محمّد أحمدي نجاد» نشرتها صحيفة لوموند ديبلوماتيك، ديسمبر 2006: لقد «وزّع الرئيس الجديد مبالغ ضخمة (بشكل عقودٍ محرّرة بالدولار) على الحرس الثوريّ الذي دعمه.
وتمّ تخصيص مليارات الدولارات لبناء شبكاتٍ لنقل الغاز لشركة «خاتم الأنبياء» التابعة للحرس الثوريّ. وقد أصبح هذا الجهاز عملاقاً اقتصادياً (يمكنه استيراد البضائع دون الرضوخ لضرائب الدولة، كما يمكنه بيعها بحرّية في الأسواق)، وغدا «الباسدران» أحد أهمّ الأطراف الفاعلين في مجال النفط».
ولما أصبحت مؤسسة الحرس الثوري تمتلك إمبراطورية مالية، يقدر دخلها السنوي بنحو 12 مليار دولار، من خلال استثماراتها المتعددة في قطاعات النفط والغاز والكيميائيات والسيارات والجسور والطرق، فقد تحولت إلى طبقة مهيمنة في المجتمع الإيراني، تمتلك مصادر القوة العسكرية والأمنية والثقافية والإعلامية والثروة في المجتمع.
ويبلغ تعداد الحرس الثوري نحو 125 ألف عسكري، موزعين على القوات البرية (105000 رجل)، والقوات الجوية (5000 رجل)، والبحرية (2000 رجل). وتسيطر هذه المؤسسة الأمنية ـ العسكرية على برنامج صنع الصواريخ، والبرنامج النووي الإيراني.
أما الميليشيا الإسلامية «الباسيج» التابعة للحرس الثوري، فيصل تعدادها إلى نحو 5 ملايين شخص، بإمكانهم أن يعبئوا مع عائلاتهم نحو 16 مليون شخص، حسب قول إبراهيم يزدي وزير الخارجية الإيرانية السابق..
وفي ظل اعتناق مؤسسة الحرس الثوري أيديولوجية ولاية الفقيه، ودفاعها عن البرنامج النووي الإيراني بوصفه خياراً قومياً، فإن مصادر غربية وبعض المحللين يتوقعون أن تحول النظام إلى «ديكتاتورية عسكرية صريحة».
كاتب تونسي