عملية الموساد الأخيرة في دبي، كرّست مجددا شرعية وضرورة الحديث المستمر عن أهمية العمل الدبلوماسي، بمفهومه الاستراتيجي الواسع، وضرورة الاستفادة الكاملة من ذلك في مواجهة العمل الاستخباراتي، الذي تمارسه دول كثيرة حول العالم.
فهذه الحادثة المؤلمة والاستثنائية، قد توفر فرصة ثمينة لمن يرغب من الدبلوماسيين العرب في الاستفادة من الأداء الإسرائيلي، الذي يتجلّى عادة في الظروف الصعبة، واكتساب العبر منه بشكل دقيق.
وليس في ذلك عيب على الإطلاق، لأن ظروف المعركة القائمة في أوجهها المختلفة تتطلب من الجميع، أعداء كانوا أم أصدقاء، أن يتعلّموا من بعضهم بعضا ظروف الانتصارات والانكسارات، لكي يتمكنوا من استشراف الخطوات المقبلة.
إن المهم في حيثيات الجريمة الأخيرة التي ارتكبها عملاء الموساد في دبي، لا يكمن في طبيعة العملية المنفّذة، ولا الشخص المستهدف. فالحرب الأمنية وغيرها مندلعة بين إسرائيل وأعدائها منذ زمن بعيد، واحتمالاتها مفتوحة على خيارات عدة، كما أن الاغتيالات المماثلة يزخر بها التاريخ، إن كان في الداخل الفلسطيني أم في الشتات.
ما يميّز هذه العملية عن غيرها، هو سلسلة من المعطيات التي أراها بشكل ذاتي، وأختصرها على الشكل التالي:
* فهي العملية الأولى، إن لم أكن مخطئا، التي تقرر أجهزة الأمن الرسمية في البلد العربي المستهدف مواجهتها بحزم وثبات، انطلاقا من مفاهيم القانون الدولي.
وحسنا فعلت الأجهزة الأمنية الإماراتية بالتشديد على ذلك البعد القانوني، إن كان من خلال كشف الجُرم المرتكب، وتبيان الحقائق بشكل دامغ، ولاحقا الإصرار على ملاحقة مرتكبيه من خلال المؤسسات الأمنية الدولية.
* وهي ربما العملية الأبرز في سياق الصراع المخابراتي العربي ـ الإسرائيلي، التي ستكون لها تبعات دولية سلبية متفرقة ضد الدولة العبرية، انطلاقا من الحق القانوني الذي ذكرته سابقا.
ولأنها ساهمت في حرق الأشخاص المتورطين. لكن أيضا، وهذا هو الأهم، لأنّها عرّت المؤسسة الرسمية التي تظلّلهم، والتي لم تتردد في استغلال علاقاتها الدولية بأبشع الأساليب الممكنة، من خلال تزوير الوثائق الرسمية لحلفائها وممارسة القرصنة وغيرها، ولاحقا الاعتماد على كل ذلك لتنفيذ أعمال قتل متعمّد في دولة ثالثة.
إن ما قد يكون مطلوبا في خضم ما يجري على هذا الصعيد، هو مراقبة الأداء الدبلوماسي الإسرائيلي الخفي، وليس ذلك الذي نشاهده من خلال عدسات الكاميرات التلفزيونية كاستدعاء للسفير أو ما شابهه.
حيث إن التجارب السابقة الكثيرة أثبتت أن إسرائيل قادرة على الاعتماد على حلفائها في أوقات الشدّة، وبالتالي قادرة على التملّص من التهم الموجهة إليها، بالاعتماد على حجج مختلفة ستبرز مع الوقت.
ولا تغرّنكم التصريحات الدبلوماسية المنمّقة، التي قد تصدر عن المسؤولين الأوروبيين في ما يخص مسألة جوازات السفر لدولهم، والتي أسيء استخدامها من قبل عملاء الموساد، فهؤلاء سيرضخون في النهاية للتبريرات الإسرائيلية التي تربط ما جرى بعمليات «مكافحة الإرهاب».
أو «السعي لفرض الاستقرار السلمي في المنطقة»، خصوصا وأن حركة حماس وغيرها من الحركات المناهضة للاحتلال الإسرائيلي والمشروع الأميركي، تتحمل حسب المفهوم الذي تؤمن به إسرائيل وبعض دول أوروبا، مسؤولية التوتر في الشرق الأوسط.
وهنا تكمن خطورة ما قد يحدث على ساحة العمل الدبلوماسي. فإذا تمكّنت إسرائيل من ترسيخ هذه النظرية لدى حلفائها الكبار الذين تورّطوا في العملية الأخيرة من خلال جوازات سفر مواطنيهم، فإن ذلك سيعني إقرارا من المجتمع الرسمي الأوروبي بسلامة المواجهة، عبر عمليات الاغتيال التي تنفذها إسرائيل بشكل مستمر ضد أعدائها.
وإذا لم تنجح الدبلوماسية الإسرائيلية في تسويق هذه الفكرة، فإنها ستلجأ على الأرجح إلى حث مسؤوليها على اعتماد تلك النبرة الحزينة، التي طالما تسلّح بها الإسرائيليون أثناء كل أزمة جدّية.
والتي يحاولون من خلالها إقناع العالم بأنهم حملان بريئة لا حول لها ولا قوة، وأن مواجهة «الإرهاب» تتطلب مثل تلك العمليات غير المقبولة لبعض الوعي الأوروبي.
في جميع الأحوال، لا يسعنا إلا أن نأمل في أن تكون المواجهة الدبلوماسية العربية مماثلة ومتناغمة في صلابتها وحزمها، مع أداء أجهزة الأمن في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو على الأقل مخلصة لجهود أعضائها الذين أعادوا إلى هيبة الأمة العربية كثيرا من الاعتبار المفقود.
وهذا أضعف الإيمان في ما قد يطلبه أي مواطن عربي، من السلك الذي من المفترض أن يكون واجهته المأمولة في الخارج، لكن أيضا اليد المساعدة للأجهزة الأمنية في البلد الأم، الساهرة على أمن البلاد وسيادتها.
لقد علّمتنا التجارب الكثيرة أن مكمن القوة في العمل المخابراتي الإسرائيلي (وغيره)، هو قدرته على الاعتماد على التخفي ضمن هويات وجنسيات وقوميات متعددة، بسبب طبيعة الشعب الإسرائيلي القادم من خلفيات عرقية مختلفة، والذي لم يتخلّ عن هويته الأصلية لاعتبارات عديدة.
وهنا في الواقع جوهر المشكلة التي قد تعاني منها الدول العربية، بصفتها العدو الأساسي لإسرائيل و«شريكها» في المواجهة متعددة الأوجه.فهذا التنوع الانتمائي لا يستخدم من قبل إسرائيل في العمل المخابراتي لوحده.
بل يتعدّاه لأكثر من ذلك بكثير، مثل السعي للتغلغل في المؤسسات الرسمية لبعض الدول الأوروبية والأميركية وغيرها، والاستعانة بها لاحقا في صياغة الأهداف الاستراتيجية المختلفة التي تلعب في المحصّلة النهائية لصالحها.
وهذا ليس منطقا معاديا للسامية كما قد يحلو لبعض الإسرائيليين والمتعاطفين معهم وصفه، بل يجسد حقيقة واقعة نراها بأم العين وبشكل يومي في الممارسات الدبلوماسية والأمنية.
ما يؤسف هو أنه مقابل كل هذه الامكانيات، لا نرى ما يبشر على الصعيد الدبلوماسي العربي، بسبب معاناته من نواقص كثيرة سبق أن تناولناها. أما على الصعيد الأمني، فقد أعاد لنا رجال الأمن الإماراتيون بعضا من الثقة بالنفس.. فهنيئا لشعبهم بهم.
كاتب لبناني
