أعترف بأن علاقتي بالشاشة ملتبسة ومربكة، وربما غير ناجحة. فأنا كلما دعيت للمشاركة في برنامج تلفزيوني، تعتريني قبل موعد الظهور بأيام حالة من التوتر والقلق، وأقع تحت ضغط يصل إلى حد الرهاب.
وفي المقابل، كلما خرجت من على المنصة أشعر بالإحباط؛ إذ أكتشف أنني لم أستطع قول ما أريد قوله، أو بالطريقة التي أريدها، كما كان من أمري في الحلقة التي ظهرت فيها، مؤخراً، مع الشاعر والإعلامي جوزيف عيساوي على قناة «الحرة».
فقد فاتتني أشياء مهمة، كان ينبغي قولها أو إيضاحها، وأهمها ما يتعلق بموقفي من هويتي الدينية. وأبدأ بما جاء في الإعلان عن الحلقة، حيث جرى تقديمي بكوني لست مع بناء المآذن في سويسرا.
وأنا لا أخفي موقفي النقدي، إذ إنني، وكما أعلن وأصرّح، بل كما أحلّل وأكتب، ناقد لذاتي كلبناني وعربي ومسلم ومثقف، وقبل ذلك فأنا ناقد لذاتي كإنسان. وهذا هو مآل النقد بطابعه الوجودي.
إنه يتجاوز صراعات العقائد والمذاهب والمحاور، التي تبدو وكأنها مجرد أقنعة تخفي وراءها إرادة الإقصاء واستراتيجيات الهيمنة، من جانب قوى متحاربة، ولكنها متواطئة على ما يحدث على المسرح الكوني من الفوضى والاضطراب والإرهاب والعبث والجنون..
وعندما يتساءل الناس أو يستغربون: كيف يقتتل مسلمون في ما بينهم؟!، أجيب السائل: كأنك لست بمسلم. وهذا ما أجيب به المسيحي والبوذي والماركسي.. لأن تاريخ الديانات القديمة والإيديولوجيات الحديثة، هو بوجهه الأبرز تاريخ صراعات وحروب.
والمغزى من ذلك أن الحرب بين البشر، إذا ما جردت من أقنعتها، تصبح عارية، كي تُظهِر الإنسان على حقيقته ككائن شرس، وعدواني، وقاتل.وإلا كيف نفسر أن يزداد العنف عن ذي قبل؟ كيف نفسّر أن يتحول المظلوم إلى ظالم والضحية إلى جلاّد؟
ومن هنا لا أعتبر أن مشكلتنا تنحصر في منع المسلمين من بناء المآذن في سويسرا، ولا في منع المرأة المسلمة من ارتداء الحجاب في أوروبا، أو في أي مكان آخر.
هذه مشكلة هامشية نافلة. مشكلتنا تتجسم في عجزنا عن وقف الحروب الأهلية، كما تتجسم في عجزنا عن محاربة آفات الفقر والتخلف والفساد وهدر الأموال بغير طائل.
ومن المفارقات في هذا الخصوص، أن ننشغل بالبرقع والحجاب، أو أن نقيم الدنيا ونقعدها من أجل مئذنة في سويسرا، ونغفل الأساسي المتعلق بنهوضنا وخروجنا من الهامش، لاستعادة المبادرة التاريخية، وتحويل بلداننا إلى مجتمعات حيّة وفاعلة، منتجة وخلاقة.
سواء في البحث العلمي والإنتاج المعرفي، كما كانت تفعل دول متخلفة؛ كالصين والهند، فإذا بها تكسر احتكار الغرب للمعرفة، أو كما تفعل دول إسلامية كماليزيا وتركيا.
قدمت نماذج ناجحة في استغلال المقدرات واجتراح الإمكانات على صعيد الإدارة والإنماء والبناء.هذا هو الاستحقاق الوجودي الذي نرجئه أو نهرب من مواجهته: أن ننتج ونبدع للمشاركة في صناعة الحضارة، على قدم المساواة مع بقية الأمم.
لقد أتخمنا مشروعات إيديولوجية ونضالية، وامتلأت بلداننا وساحاتنا بالأحزاب والمنظمات والفصائل العروبية والإسلامية، أو الثورية والجهادية، أو النضالية والتحررية. ولكن المردود هو ما نحصد من الأزمات والكوارث.
بالطبع لا ينبغي التعميم، فهناك استثناءات تمثلها، بنوع خاص، دول الخليج، وكل الدول التي لم يصل إلى الحكم فيها نموذج إيديولوجي، قومي أو يساري أو إسلامي. ولكن الغالب، في الإجمال، هو العكس.
ولو تأملنا في أحوالنا، نجد أن البارز وسط المشهد، وكما نقدم أنفسنا إلى العالم، هو الحجاب والدم والفتوى والتفجيرات الانتحارية. وهذه الماركة لا تحقق تنمية، ولا تصنع مستقبلاً، بل هي لم تعد تشكّل وسيلة فعالة للمدافعة عن الوجود والمصالح والحقوق، وإنما ترتد فتناً مذهبية متنقلة وصراعات سياسية طاحنة.
هذا الواقع البائس هو ما يجعلني أواجه التهم أو النقد، بأنني أقف موقف السلب أو العداء من هويتي الدينية، بالقول؛ لست أنا من يقف وراء التفجيرات الانتحارية لهدم البيوت على ساكنيها، أو لسفك الدماء وقتل الأبرياء من الناس، ولست أنا من يشوّه سمعة العرب بين العالم بإصدار الفتاوى البائسة والمضحكة.
لم تعد تجدينا إعلانات الهوية وإشهار سيف الخصوصيات، التي تحول الأسماء والكتب والتراثات إلى متاريس لإطلاق الكلام الجارح، أو الرصاص القاتل على المختلف في الداخل أو على الآخر في الخارج.
نحن أمام التحدي الكبير: بَلْورة صيغة حضارية لتنظيم اجتماعنا وإدارة شؤوننا وتحسين أوضاعنا. ولن نجد ذلك لدى القدامى، ولن يقدمه الآخرون. وإنما هو جهد واشتغال على الذات وعلى وقائع حياتنا، بالخلق والابتكار، بالإفادة من ذخائر التراث، ومن منجزات العقل البشري والفكر العالمي.
لا يعني ذلك تخلّي الواحد عن هويته التي لن ينتزعها منّا أحد، ما دامت تولّد ما تولّده من الهزال الوجودي والتخلّف الحضاري. ولكن هناك فرق بين واحد وآخر، في ممارسته لعلاقته بتراثه وخصوصيته.
فالهوية ما كانت يوماً واحدة. هناك مسلمون يحسنون ممارسة الفصل بين هويتهم الدينية أو المذهبية، وبين انتمائهم الوطني أو السياسي أو المدني، كما يفعل من يقدم نفسه بوصفه ينتمي إلى بلد أو وطن أو مجتمع، بالمعنى الواسع والمركب.
ومَن هذا شأنه إنما يهتم بالدرجة الأولى بأن يحسن التعايش مع المختلفين معه، بالعمل على خلق عالم مشترك، متعدد الأنماط والقوى والفئات. وهذا ما يفعله المسلمون الذين تأثّروا بالتنوير العقلي، أو خضعوا لتحوّلات الحداثة واستفادوا من منجزاتها. ولكن هؤلاء قلة، بل هم هامشيون وقليلو الفاعلية.
لأن المهيمن ليس المسلمون، بل الإسلاميون، على ما أفرق بين المفهومين، أي الذين يتعاملون مع هوياتهم الدينية كنماذج عقائدية، كما نجد ذلك لدى المنظمات والتيارات الأصولية.
وشتّان بين الاثنين؛ فالإسلامي الأصولي هو كائن إيديولوجي، يغلّب الأهواء والعصبيات على العقل والمصلحة، بقدر ما يعمل بمنطق أحادي، اصطفائي، إقصائي، عدواني، والمآل هو سقوط الشعارات وارتداد الأعمال ضد أصحابها.
أما أصحاب النموذج الأول فإنهم يتعاطون مع هوياتهم الدينية كمصدر للتُقى والتواضع، كحد رادع بين الإنسان ونظيره، كحثّ على العمل الصالح يتجاوز صراع المدارس والطوائف، كعلاقة مع المعنى والحقيقة تُترجم نفعاً في الحياة العامة للناس جميعاً.
كاتب ومفكر لبناني
