كانت المطالبة باعتقال رئيس الموساد الإسرائيلي أو غيره من كبار القادة الأمنيين والسياسيين الإسرائيليين، في أوقات سابقة اقرب إلى الحلم بعيد المنال.. ولكن اليوم، وفي ظل تحولات ملموسة لدى الرأي العام العالمي تجاه الجرائم الإسرائيلية.

وبفضل الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي، الذي يتحلى بشجاعة أصيلة استثنائية في مواجهة إسرائيل والموساد، تستحق الاحترام والتقدير، باتت المطالبة واضحة صريحة.

فعندما يتحدث الفريق ضاحي عن «وجود أدلة تربط المتورطين في جريمة اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح بإسرائيل»، مضيفاً:«إن الانتربول أصدر النشرة الحمراء لملاحقة الجناة ال11»، مشددا على أنه «آن أوان التأكيد على أن الموساد ضالع في اغتيال المبحوح بنسبة 99%، إن لم يكن 100%».

يكون الموساد في حالة انكشاف كامل، ولا يبقى أمام العدالة الدولية سوى التحرك وإصدار أوامر الجلب لرئيس الموساد داغان، ورئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو المشرف عليه، لتقديمهما لمحكمة الجنايات الدولية.

الأسئلة الكبيرة الملحة كالعادة تتراصف تباعاً على كل الأجندات في أعقاب «تسونامي» إقدام الموساد على اغتيال المجاهد المبحوح في قلب دبي:إلى أين ستصل تفاعلات وتداعيات انكشاف الموساد في هذه العملية الإجرامية؟

وهل سنرى موقفا عربيا جادا يطالب بملاحقة واعتقال ومحاكمة مقترفي الجريمة؟ وهل ينجح العرب هذه المرة في إحكام القبضة على إسرائيل وجيشها وموسادها، وجلبهم للعدالة الدولية؟!

والأسئلة الملحة أيضا تطرح نفسها على الأمم المتحدة والعدالة الدولية: هل تتحرر الأمم المتحدة من الهيمنة الأميركية الإسرائيلية وتنحاز في هذه المرة للحقيقة والعدالة؟ ومن سيقدم على المطالبة؟ ومن هو القادر على جلب قادة الإجرام في إسرائيل للمحكمة الدولية؟!

في كل الاغتيالات الإجرامية وجرائم الحرب التي نفذها ويواصلها الموساد الإسرائيلي، لم تقف وراء المطالبات بمحاكمة إسرائيل والموساد أي جهة دولية أممية!

الجبهات والميادين التي تصول وتجول فيها جيوش إسرائيل اغتيالات وقتلًا جماعياً وتخريباً وتدميراً شاملاً، كثيرة ومتشعبة، ولكن لعل أخطرها جبهة الاستخبارات والمخابرات، كجهاز «الموساد» الذي لم يتوقف عن الاغتيالات واختطاف النخب الفلسطينية والعربية وغيرها منذ نشأته.

فسجل الاغتيالات الإجرامية للموساد أسود وطويل ومفتوح..وفي سجل الموساد، هناك كم هائل من الوثائق والشهادات التي تحمل الموساد مسؤولية اغتيالات وتفجيرات وأعمال تخريب في دول المنطقة:في فلسطين ولبنان والعراق وإيران، وكذلك في دول العالم المختلفة.

وكما هو معروف فإن الاعتراف سيد الأدلة، فقد اعترف مصدر مقرب من رئيس الموساد مئير داغان ب«مسؤولية الأخير عن العمليات التي وقعت في سوريا ولبنان وإيران»، معتبرا أنها «إنجازات لداغان».

وقال رافضا الإفصاح عن اسمه: «إن إنجازات داغان في العمليات ضد حماس وسوريا وحزب الله وإيران، تلقي بظلالها على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حينما يفكر بإقالته»، مضيفا: «ثمة سلم أولويات وطني في هذا الشأن» (18/2/2010).

يضاف إلى ذلك اعتراف أحد ضباط المخابرات العسكرية في إسرائيل، في وقت سابق، ب«ارتكاب المخابرات الإسرائيلية عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري»، مشيراً في ذات الوقت إلى أن «هذه العملية سمحت لأميركا بالسيطرة على لبنان بما ينفع الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة» (7/6/2008).

ونقل موقع «فيلكا» الاستخباراتي الإسرائيلي عن الضابط أمان رؤفين أرليخ قوله: «أعترف بارتكاب المخابرات الإسرائيلية عملية اغتيال الحريري الذي لقي مصرعه في انفجار سيارة ملغّمة استهدفت موكبه عام 2005، مما أسفر عن مقتله وسبعة من حرسه الخاص، إضافة إلى 10 آخرين».

وعلى الدوام، يجب البحث عن الأصابع الإسرائيلية ودور الموساد الإجرامي، وراء الاغتيالات التي تقترف ضد النخب والقيادات الفلسطينية والعربية والإسلامية، وكذلك وراء أعمال التخريب وإثارة الفتن في دولنا العربية والإسلامية.وابحثوا عن أصابع الموساد أيضا هناك في أوروبا، في ملفات التحريض العنصري على العرب والمسلمين، وفي ملفات اللاسامية والإرهاب...

وفي قضية اغتيال المبحوح، فإن كل المؤشرات والمعطيات الموثقة، وجزء كبير منها من مصادر التحقيقات في دبي، وبعضها من مصادر إسرائيلية، تقود إلى الاستخلاص الكبير الخطير: «الموساد» الإسرائيلي وراء هذه الجريمة وقبلها وراء اغتيال الحريري، ووراء تفجيرات بيروت.. وقبلها تفجيرات العراق..

إن قضية اغتيال المجاهد المبحوح تحمل كما هو واضح، بسبب شبكتها وتشابكاتها الأوروبية المتعلقة بجوازات السفر وغيرها، تداعيات دولية بالغة الأهمية لجهة إدانة وتجريم قادة وجنرالات إسرائيل، باقتراف الاغتيالات والمحارق والجرائم، وتنطوي على أبعاد قانونية وأخلاقية في صالح الفلسطينيين والعرب، غير أن كل ذلك لا يكفي بالتأكيد، فالمطلوب أبعد وأوسع وأهم من ذلك.

لا بد من يقظة عربية في التعاطي مع الإجرام الإسرائيلي، ومن خطوات وإجراءات حقيقية، ليس فقط في اتجاه وضع حد لهذه الاغتيالات والمجازر المفتوحة، بل والإقدام بمنتهى الجدية لتأكيد المسؤولية الدولية في مواجهة مثل هذه الجرائم الإسرائيلية المتكررة، ومن أجل الوصول إلى محاكمة مجرمي الحرب في إسرائيل، أمام العدالة الدولية..إن كان هناك حقا مثل تلك العدالة!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com