لا أعرف لماذا انتابتني موجة من الضحك، قبل أن يغمرني إحساس بالرغبة في البكاء الأسبوع الماضي وأنا أتابع الأخبار القادمة من القاهرة، حيث عقد المؤتمر الدولي حول إصلاح منظمة الأمم المتحدة، في مقر جامعة الدول العربية وبرعاية منها، وناقش اقتراحات الرئيس الليبي معمر القذافي.
التي كان قد طرحها حول إصلاح المنظمة الدولية، في خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر من العام الماضي، ذلك الخطاب الذي أصاب المترجم المكلف بالترجمة الفورية بالانهيار من شدة التعب، قبل أن تهُبّ المسؤولة عن قسم المترجمين العرب في الأمم المتحدة إلى نجدة زميلها وتتولى ترجمة ما تبقى من الخطاب.
صحيح أن الجهة التي نظمت المؤتمر هي صحيفة زليبيا اليومز الليبية، وصحيح أن الجامعة وجدت نفسها مضطرة إلى التعاون مع الصحيفة، كون صاحب فكرة إصلاح المنظمة الدولية رئيس دولة عضو في الجامعة، وصحيح أن المؤتمر قد ناقش محاور مهمة؛ منها التركيز على كيفية تحقيق المساواة والعدالة بين الأمم المتحدة والشعوب، وغياب الديمقراطية في إدارة النظام الدولي.
ودور مجلس الأمن في المرحلة المقبلة، والأفكار المطروحة لإصلاح المجلس، وحقوق الدول الصغرى لدى الدول الكبرى، واستمرار سياسة النهب من الثروات والعقول.. كل هذا صحيح، ولكن أليس الأصح منه أن نبدأ بإصلاح أنفسنا قبل أن نفكر في إصلاح غيرنا؟ أليس الأجدى أن نطرح أفكاراً لإصلاح جامعة دولنا العربية.
قبل أن نفكر في إصلاح المنظمة الدولية؟ كيف نتحدث عن تحقيق المساواة والعدالة بين الأمم المتحدة والشعوب، ونحن نفتقدها؟ وكيف نناقش غياب الديمقراطية في إدارة النظام الدولي ونحن أبعد ما نكون عنها؟ وكيف نبحث عن حقوق الدول الصغرى لدى الدول الكبرى ونحن أول من يضيع الحقوق ولا يقيم لها وزناً؟ وكيف..؟ وكيف..؟ وكيف..؟
إلى آخر علامات الاستفهام التي يمكن أن نضعها على نهايات الجمل، ونحن نضيع الوقت والجهد في محاولة إصلاح منظمة دولية، نحن فيها الطرف الأقل شأناً والأضعف صوتاً بين بقية الأطراف ذات النفوذ الأقوى والصوت الأعلى؟!
لا نوجه هذه الأسئلة للعاملين في جامعة الدول العربية، لأننا نعلم أنهم موظفون لا حول لهم ولا قوة، ولا نوجهها لأمينها العام، لأننا ندرك أنه لا يقل عنا حرقة وألماً على أوضاع الجامعة والشعوب التي تمثلها منذ تأسيسها عام 1945 من سبع دول.
وحتى بلوغ عدد أعضائها 22 دولة تغطي أراضيها نحو 14 مليون كيلومتر مربع من مساحة الكرة الأرضية. ويبلغ عدد سكانها 340 مليون نسمة تقريباً، وفق تقديرات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
مساحة شاسعة من الأراضي تحتوي على الكثير من المناطق الخصبة جداً، والعديد من الأنهار المتدفقة مياهاً عذبة، وموارد النفط والغاز الطبيعي الهائلة، والثروات الطبيعية والمعادن، والحضارات المتنوعة التي قامت على أرضها عبر مراحل التاريخ المختلفة.
والأديان السماوية التي كانت مهداً لها ومقراً لأنبيائها ورسلها، والثروة البشرية التي يمكن أن تجعل منها قوة يحسب لها حساب بين الشعوب والأمم.. ومع هذا كله، فإن نظرة واحدة لأوضاعها تجعل العين تدمع والقلب يحزن والعقل يحار!
أمة بكل هذه الإمكانات والعوامل الكثيرة المشتركة تمزقها الخلافات من أقصاها إلى أدناها، وجامعة تضم دول هذه الأمة تقف عاجزة عن احتواء هذه الخلافات وحلها، هي الأكثر حاجة إلى الإصلاح وإعادة النظر في ميثاقها الذي قام على مبدأ الوطن العربي الواحد.
لكنه لم يستطع تحقيقه على أرض الواقع بمفهومه السياسي الذي يعني الانصهار في كتلة سياسية خارجية موحدة، ولا بمفهومه الاقتصادي الذي يقوم على التكامل والعملة الموحدة وحرية انتقال الأفراد والبضائع بين الأقطار، ولا بمفهومه الأمني الذي يقوم على الدفاع المشترك عن حدوده وسيادة أرضه.
ولا بمفهومه الثقافي الذي يقوم على توحيد مناهج التعليم وتناغم الخطاب الإعلامي، ولا بمفهومه الإنساني الذي يقوم على ردم الهوة بين الشعوب الغنية التي تزخر أراضيها بثروات هائلة.
والشعوب الفقيرة ذات الموارد الاقتصادية المحدودة والدخول المنخفضة، ولا بمفهومه الحضاري الذي يقوم على التسامح بين الأديان والطوائف والتعايش بين الأعراق المختلفة التي يتشكل منها الكيان العربي الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.
إن الأزمات العديدة التي مر بها العالم العربي منذ تأسيس جامعة الدول العربية وحتى الآن، أثبتت أن الجامعة قد أخفقت في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، بل إن أحداثاً مفصلية كثيرة في تاريخ الأمة أحرجت الجامعة وهددت كيانها، ونقلتها من مقرها الأول في القاهرة إلى مقر مؤقت في تونس.
قبل أن تعود إلى القاهرة من جديد، كما أن حدثاً مثل غزو العراق للكويت قد عصف بكيان الجامعة وشق صف أعضائها، وها نحن نراها اليوم تقف عاجزة مرة أخرى، أمام ما يحدث في فلسطين والعراق واليمن وأجزاء كثيرة من الوطن العربي تمزقها الخلافات التي لا تبدو في الأفق بادرة أمل لحلها، إلا بمعجزة من السماء ننتظرها في زمن لم يعد فيه للمعجزات مكان.
لقد استطاعت أوروبا خلال 35 عاماً، منذ توقيع اتفاقية روما عام 1957 وحتى توقيع معاهدة ماسترخت عام 1992، أن تتحول إلى كيان سياسي واقتصادي عملاق، بينما فشلنا نحن على مدى 65 عاماً هي عمر جامعة دولنا العتيدة، في تحقيق الحد الأدنى من مظاهر الوحدة وليس جوهرها.
فكيف نتطلع إلى إصلاح منظمة الأمم المتحدة ونحن عاجزون عن إصلاح جامعتنا؟ وكيف نرمي بيوت الآخرين بالحجارة وبيتنا من زجاج هش قابل للكسر؟ وكيف لا نضحك ثم نجهش بالبكاء ونحن نرى كل هذا يحدث أمام أعيننا وتنقله لنا وسائل إعلامنا؟ أليس الأجدر بنا أن نصلح أنفسنا قبل أن نفكر في إصلاح غيرنا؟
