أطلق مصطلح العَسَس قديماً على جماعة الشرطة التي تجوب الطرقات ليلًا، تسهر على أمن الأنام وهم نيام، حتى إذا الليل عَسْعَسَ عاد العَسَسُ إلى بيوتهم. واستمر الأمر إلى وقتنا الحالي، مع اختلاف في المسميات والآليات.

إلا أن الغاية ظلت واحدة. والإنسان يشعر بالطمأنينة حين يعلم أن هناك من يسهر على راحته وتوفير بيئة آمنة له، بينما هو يغط في نوم عميق.

ولكن الذي لا أفهمه؛ هل انتقلت هذه المهنة من رجال الأمن إلى طلاب المدارس؟! ولماذا جعلوا من أنفسهم عَسَساً يدافعون بمنكب قوي بينما لا يجمعهم بالعسس سوى المكان والزمان، وتفرقهم الغايات؟! هذا واقع يرسم قصة حقيقية أبطالها طلابنا، وزمانها ساعات الليل المتأخرة، ومكانها خارج البيت، أما خاتمتها فإنها مفتوحة على كل الاحتمالات.

إن جولة واحدة في ساعات الليل المتأخرة كفيلة بأن تميط اللثام عن هذا السلوك الخاطئ، الذي قد يكون مرشحاً لأن يتحول إلى ظاهرة مقلقة إذا ما تركت دونما تشخيص وعلاج، ويزداد الأمر سوءاً أيام العطل والإجازات.

فإنك ترى نفراً من الطلاب يتحلقون حول بعضهم البعض، يهدرون الوقت والجهد في ما لا طائل منه، وهم في سهر ولعب، دونما رقيب ولا سائل، يتجاذبون أطراف الحديث وهدر الطاقات، فإذا ما تنفس الصبح أذن لهم بالرحيل.

فينصرف كل منهم قافلًا إلى منزله، يجر أذيال الكسل والخمول، ليغطّ بعدها في نوم عميق، أو ليمضي إلى يوم دراسي حافل بلا شيء.

وفي كل صباح سيناريو يتكرر؛ أب يزمجر، وأم تصرخ، يحاولان رسم خطى أبنائهما نحو المدارس، وهما يعلمان، وقد لا يعلمان، أن أبناءهما قد أمضوا جلّ ليلهم بعيداً عن الفراش، وأن عهدهم به قريب.

هل المطلوب من الطالب أن يثبت حضوره الجسدي في المدرسة بعينين لا تكادان تميزان، من السهر، بين اللونين الأبيض والأسود؟ فيستلقي على مقعده الدراسي دونما استقبال أو إرسال.

وكيف له أن يستقبل أو يرسل وهو جسد خال من الطاقة والانبعاث الحيوي؟! ثم نتحدث بعد ذلك عن أسباب تدني تحصيله العلمي، وننثر على طاولة التخمينات والاجتهادات أدلة تسبح بعيداً عن الحقيقة، بينما هي أقرب إلينا من رمش العين!

إن طلابنا هم من نعوّل عليهم في بناء دولتنا، وهم عمادها ولبنة مستقبلها، فإذا صلح غرسهم ضمنّا مجتمعاً متماسكاً ومستقبلًا يجاري زمن التطور، ويقفز بخطوات راسخة ومتسارعة نحو مستقبل مشرق وطموح.

إنني في هذه العجالة أسلط الضوء على فئة من الطلاب، هم ضمن المنظومة والتركيبة الطلابية في دولتنا، كما أنهم مسؤولون منا تمام المسؤولية، ومن واجبنا أن ننتبه لهم ونأخذ بأيديهم نحو بر الأمان، ونسهم معهم في رسم مستقبل زاهر بالإنجازات العظيمة، ونحيطهم بالعناية الكاملة.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»، فبشيء من التشخيص نستطيع أن نلمس خيوط هذه المشكلة ونفك شيفرتها، لبساطتها، على رغم ما تبديه من تعقيد، وعدم التنبه لها يوردها متاهات التخبط. ولنبدأ من البيت، وبهذا السؤال الموجه إلى الوالدين: كيف يتسنى لكما أن تهنآ بنوم بينما قطع أبناؤكما رحم التواصل مع فراشهم؟

إن من الواجب على الأبوين أن يطمئنا إلى أن أبناءهما قد سكنوا إلى فراش النوم في ساعة مبكرة، ليغدوا مع طيور الصباح طلباً للعلم، ويروحوا بعدها وقد عبّ كل منهم من العلوم المختلفة، وتزودوا بزاد من يرنو إلى مستقبل كريم، فقد ورد عن بعض أهل التقى والصلاح قوله: «إن العين إذا عودتها النوم اعتادت، وإذا عودتها السهر اعتادت».

وتتقاسم المدرسة مع البيت تربية الأبناء، من خلال توعيتهم وإرشادهم نحو ما يصلحهم ويهذب سلوكهم، وهذا مجالاته متعددة، سواء من خلال المناهج أو المحاضرات المدرسية أو الأنشطة اللاصفية وغيرها، فلن يعدم الخير فاعلوه.

إن من حقنا أن نخشى على أبنائنا وإخواننا من هذه المجالس الليلية، فساعات السهر هذه لا تأتي بخير، وإنما تطل برأسها نحو غياهب المجهول. وما خُلق الليل لمثل هذه الممارسات، وإنما كما قال تعالى:؟هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون؟، وجُعل الليل للمستغفرين بالأسحار، والمتربصين بالأشرار، والساهرين على صحة العباد والأخيار.

ونحن أولًا، نشد على أيادي الوالدين بضرورة ممارسة دورهم المنوط بهم فيحسنوا تربية أبنائهم منذ الصغر، وكما يقول الشاعر:وينشأ ناشئ الفتيان فينا ** على ما كان عوده أبوه.

وثانياً: لنتعاون مع المدرسة لتوصيل رسالتها الكاملة إلى طلبتها، وثالثاً: هناك دور آخر منوط بالجهات الرسمية، ويتمثل في تكثيف الدوريات الليلية لرصد مثل هذه السلوكيات الخاطئة والحد من استفحالها، حتى نبني مجتمعاً خالياً من العادات الخاطئة والممارسات المرفوضة.

كاتب إماراتي

saifmahrouqi@yahoo.com