لن تنسى ذاكرة العالم مشهد المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد (1935- 2003) قبل وفاته بأشهر قليلة، وهو يلقي بحجر بالقرب من بوابة الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، احتجاجاً على العدوانية والبلطجة الإسرائيلية أثناء حصار مجمع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في دلالة رمزية بالغة الأثر من مفكر بقامة إدوارد سعيد، وتعبيراً عن مواقفه التي لم تتغير تجاه قضية المتحدة الأميركية.

وعندما رحل في سبتمبر 2003 اعتبر كثير من النقاد في الغرب أن العالم الإسلامي والعربي خسر مدافعاً صلباً عن قضاياهم، ومهتماً بارزاً بقضية فلسطين، وتحمل في سبيلهما الكثير، حيث أطلق عليه أعداؤه «أستاذ الإرهاب» بسبب دعمه للفلسطينيين، فقد ظل حتى وفاته رمزاً لقضية وشعب، بل إن مكتبه في نيويورك تعرض للحرق من متعصبين وعنصريين.

ورغم كل ذلك كان إدوارد سعيد المقدسي المولد المسيحي الديانة العربي الثقافة والغربي التفكير، مدافعاً عن صورة المسلمين التي تعرضت للتشويه ولم يستطع تحمل الإدانة الجماعية لدين سماوي في الغرب مبكراً.

ولذلك قام بتأليف كتاب «حماية الإسلام» عام 1981 أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بعشر سنوات كاملة، وكان يعني بالحماية معرفة الإسلام بالكامل وأظهر في كتابه كيف تم تمثيل الدين الإسلامي والدول الإسلامية بصورة سيئة ومشوهة في الإعلام الغربي، وخاصة في الإعلام الأميركي.

وكان الكتاب امتداداً مهماً لكتابه الشهير عن «الاستشراق» الذي أصدره عام 1987 والذي أظهر فيه أن الثقافة الأوروبية استسلمت لضغوط العنصرية لمعاداة الإسلام، وإثارة صورة المسلم الشرير والخطير ووصف المسلمين بالزائفين والشريرين.

ورغم الدوافع السياسية للهيمنة الاستعمارية الغربية، فإن الحماس الديني للبعثات التبشيرية والبعثات الأصولية المسيحية واليهودية، استغل ذلك لنشر صور مغلوطة عن الإسلام والمسلمين.

واستمراراً لذلك وعقب أحداث سبتمبر فسر إدوارد سعيد تصاعد العنصرية ضد المسلمين والعرب إجمالاً عقب الهجمات بأنها ليس ناجمة فقط عن تلك الهجمات، بل متأصلة وموجودة منذ أمد طويل وأن المختصين في الإسلام يضمرون كراهية كبيرة له.

وكان يشعر بضيق ومرارة شديدين من طريقة اختزال الحضارات إلى صراعات دينية، وتساءل ذات مرة عن الأصولية الغربية، واعتبر أن الأصولية المسيحية المتمثلة في اليمين المسيحي من أهم القوى في السياسات الأميركية خارج المجمع العسكري الصناعي.

وربما لم يحظ مفكر عربي أو غربي بشهرة كبيرة مثلما حاز إدوارد سعيد، في كل لقاء كان يجرى معه أو محاضرة يلقيها في إحدى الجامعات الأميركية أو الأوروبية، ففي إحدى اللقاءات معه في مسرح أبوللو في لندن، اضطر المنظمون إلى فتح أبواب المسرح أمام الحشود الجماهيرية الكبيرة التي جاءت للاستماع إلى المفكر العربي، وتكرر الحال في جامعة الدراسات الشرقية والإفريقية البريطانية.

لم ينقطع إدوارد سعيد جل عمره عن بيئته الثقافية التي شكلته في مراحل عمره الأولى، على الرغم من انتقاله للدراسة والتدريس في جامعات الولايات المتحدة الأميركية والغرب الأوروبي.

فقد كان أستاذاً للغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، واستعان كثيراً في تصديه للكتابة عن الإسلام والقرآن بالشروح والتفسيرات الإسلامية واستشهاده بعلماء الإسلام.

وفي كتاباته ألقى الضوء كثيراً على مساهمات الإسلام الكبيرة في الحضارات البشرية والتطور، بل وفي التهذيب الديمقراطي، ورأى أنه من الحماقة الموازنة بين الإسلام والوضع المباشر في إحدى الدول الإسلامية.

وفي الفكر السياسي لم يرتبط سعيد بسلطة أو جماعة، بل كان مؤمناً بالشعب والقضية وانتقد اتفاقيات أوسلو في كتابه الشهير عنها، والذي قدم له الأستاذ محمد حسنين هيكل وانتقد حماس، كما انتقد ياسر عرفات الذي حاول في بعض الأحيان حظر مؤلفاته.

إن مفكراً عربياً كبيراً مثل إدوارد سعيد، مازال في حاجة إلى إعادة قراءة جديدة، وإطلاع الأجيال الجديدة على أفكاره وكتاباته التنويرية، ومثل هذه الكتابات يمكن تدريسها في مناهج التعليم، لإيجاد أجيال جديدة تؤمن بالتفكير العلمي والاجتهاد المبتكر دون التعصب لرأي أو فكر معين.

فقد كان الدكتور إدوارد سعيد ضد التجمعات الطائفية والولاء الحزبي والسياسات الطائفية والشخصية، وضد التمسك الأعمى بالطائفية والعقيدة الدينية والغموض.

إننا في حاجة إلى دراسة أفكار مفكرين وعلماء من أمثال إدوارد سعيد من جديد، وعلى نطاق أوسع خارج تجمعات النخبة، وتاريخنا العربي والإسلامي مليء بمفكرين عظام مثل الشيخ محمد عبده وطه حسين، مازالت أفكارهم التنويرية صالحة للتناول في زمن التراجع الفكري الذي نعيشه الآن.

الناس صنفان: موتى في حياتهم وآخرون في باطن الأرض أحياء.

Asanhory2003@yahoo.com