ما الذي يقف وراء الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات الحكومة الأميركية بشأن الضرائب والإنفاق الحكومي، انخفاض معدلات الرضى الجماهير عن الكونغرس، انعدام الثقة في وسائل الإعلام والامتعاض العام من الخبراء في إدارة أوباما. باختصار، هناك غضب جماهيري متنام حيال سلوكيات الوعظ والتعطف الصادرة عن الكثير من النخب الأمريكية.

نرى هذا بشكل خاص، على سبيل المثال، في المناظرات حول ارتفاع حرارة الأرض، والذي اعتبر قبل عام حقيقة دامغة لا ريب فيها. فالمكانة الرفيعة للعلماء المرموقين، والمسؤولين السابقين من أمثال آل جور وفان جونز، وإدارة أوباما، هي التي رجحت الآن سن تشريع «الخفض والمتاجرة» الذي اقترحته إدارة أوباما للحد من الانبعاثات الكربونية عن طريق الاستثمار في تطوير التكنولجيا الخضراء.

ولقد تم شجب المشككين باعتبارهم «منكرين» أو جاهلين. لكن فيما بعد تعرض هذا الجزم القاطع بحقيقة التغير المناخي الناتج عن أنشطة البشر لعاصفة قوية.

أولاً، ضعفت الثقة بالعديد من الخبراء الأكاديميين الذي كانوا يعتبرون مراجع في قضية ارتفاع حرارة الأرض، حيث كشفت رسائل إلكترونية مسربة في جامعة إيست أنجيلا البريطانية عن انتشار ممارسات التلاعب في الأدلة العلمية والثأر الشخصي والتعتيم المتعمد بين عدد من العلماء.

ثم بعد ذلك، اعترفت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي انها استندت إلى معلومات مغلوطة على نحو دفعها إلى إطلاق إدعاءات مضخّمة عن خطر وقوع كوارث بيئية وشيكة تشمل جبال هيمالايا الجليدية. وتزامنت تلك الإفشاءات مع سلسلة من الحوادث غير المتصلة التي ساهمت أيضاً في تقويض منطق التغير المناخي المعوجّ المفروض علينا رغم أنوفنا.

وهكذا ظهر الكثير من ألمع مناصري حماية البيئة بمظهر النفاق أو الجنون. والمثير للاهتمام هنا ان آل جور، مثلاُ، كسب جزءاً كبيرا من ثروته الجديدة من تفانيه في خدمة قضية البيئة التي يفترض انه ليس له أية مصلحة شخصية فيها، ومع ذلك فإن نمط حياته يخلف انبعاثات كربونية أكثر مما يفعل معظم سكان الكوكب الآخرين.

وكُشف أيضاً عن ان فان جونز، مسؤول الوظائف البيئية في إدارة أوباما، كان قد وقّع على التماس «لكشف الحقيقة» يفيد بأن الحكومة الأمريكية هي التي خططت لهجمات 11 سبتمبر. وطبعاً انهارت إثر هذه الفضيحة مصداقيته، واضطر لتقديم استقالته.

ثم جاء عامل الطقس نفسه، الذي هبت رياحه بما بما لا تشتهي السفن. فبينما كان يتم نقل النبلاء البيئيين بالطائرات إلى كوبنهاغن المتجلدة لمناقشة ارتفاع حرارة الأرض، انهمرت على أجزاء كبيرة من الساحل الشرق بالولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة من الثلوج ؟ في وقت يفترض فيه من الناس ان يقلقوا من ارتفاع درجات الحرارة في غير مواسم الحر.

وعلى أصعدة أخرى تم التشكيك أيضاً في صحة المزيد من الأفكار التقليدية الصادرة عن أشخاص يفترض أنهم خبراء. ولنأخذ مثلاً موضوع الاقتداء بنموذج الاتحاد الأوروبي.

بعد موجة الهلع التي ضربت الأسواق المالية الأمريكية في 2008، راح الدبلوماسيون والمفكرون الأوروبيون يلقون المواعظ الأخلاقية على مسامع الأمريكيين بشأن شرور الرأسمالية غير المكبوحة وتفوق النموذج الأوروبي. فلقد أكدت قوة اليورو واستمرار توسع الاتحاد الأوروبي للعديد من الأوروبيين بأن اشتراكيتهم الناعمة هي الطريق الوحيد للمستقبل.

لكن في حقيقة الأمر، فإن مسيرة الازدهار الأوروبي استفادت إلى حد كبير من الحماية المجانية التي وفرتها القوات المسلحة الأمريكية على مدى عقود. في هذه الأثناء كان البيروقراطيون الأرستقراطيون في بروكسل يتحررون بشكل متزايد من ضوابط المساءلة من قبل ناخبيهم المتشكيين في دوائرهم الانتخابية المحلية - وبدوا خائفين جداً من نتائج الاستفتاءات الشعبية العامة من الدول الأعضاء على الدستور الأوروبي. والآن العديد من الدول الأوروبية، كاليونان، إيطاليا، إسبانيا والبرتغال، تواجه انفجارات مالية ضمنية ؟

سببها الإنفاق الحكومي غير المستدام، ومعاشات التقاعد الخارجة عن السيطرة والتهرب الأزلي من الضرائب. اليورو يهبط بسرعة. حاملو سندات الديون الأوروبية يرتعشون خوفاً. الآن، بلدان شمال غرب أوروبا، مثل ألمانيا وفرنسا، رغم كل مشاكلها المالية، ربما تضطر للتدخل من أجل إنقاذ اليونان.

ومع هذا كله، فإن كثيراً من السياسات الأمريكية في 2009، بدءاً من فورة الإنفاق والاقتراض، إلى التوسع الحكومي والضرائب الجديدة المقترحة، اقتدى بالنموذج الأوروبي «المتفوق». لكن برغم كل هذه الديون الجديدة المخيفة، لا تزال معدلات البطالة هنا مرتفعة ولا يزال الاقتصاد متباطئاً.

كما جاءت إدارة أوباما إلى سدة الحكم مقتنعة أيضاً بنظرية أخرى تحظى بإعجاب العديد من المفكرين والمحامين وأعضاء وسائل الإعلام ؟ وهي أن ما يسمى بـ «الحرب على الإرهاب» قد انحطت إلى أن أصبحت مجرد ردة فعل مبالغ بها من جانب بوش على هجمات 11 سبتمبر.

حتى ان جون برينان، مسؤول مكافحة الإرهاب في إدارة أوباما، انتقد بشدة مصطلحات وأساليب مكافحة الإرهاب السابقة في عهد إدارة بوش، التي عمل لديها هو نفسه.

الرئيس أوباما وعد بإغلاق معتقل جوانتنامو. وأصبحنا نسمع من وقت لآخر آراء تتهكم من عمليات ترحيل المعتقلين والمحاكم العسكرية والهجمات بالطائرات التي تحلق بدون طيار باعتبارها غير ضرورية او تؤدي إلى نتائج عكسية.

وحتى مسمى «الحرب على الإرهاب» تم إسقاطه لصالح تعبيرات أكثر لطفاً ودماثة.

ولقد حل مكانه مصطلحات من قبيل «مدّ يد التواصل» و«إعادة بناء العلاقات» مع العالم الإسلامي. واستلزم الأمر تفويض أشخاص على درجة عالية من التعليم والثقافة لكي يشرحوا لنا، عن الأخطار الحقيقية التي تكمن في جوانتانامو وتعذيب بضعة محتجزين إرهابيين بالماء وليس في الحاجة لاحتجاز الإرهابيين الحقيقيين والتحقيق معهم.

والآن بعد القتل الجماعي في قاعدة فورت هوود، محاولة تفجير الطائرة في عيد الميلاد، السخط الجماهيري على اقتراح إقامة محاكمة مدنية في نيويورك للعقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، رفض يد التواصل الأمريكية من قبل إيران التي ستصبح قريباً نووية، بعد هذا كله، هناك أسباب أقل من أي وقت مضى للقبول بالنهج العلاجي للتعامل مع الإرهاب الإسلامي الراديكالي.

هناك في البلد الآن غضب غير مركز لكنه متعاظم ؟ ولا ينبغي ان يكون هذا مفاجئاً لأحد. فلا أحد يحب الاستماع إلى العظات ممن يزعمون التفوق في الأخلاق والحكمة مع انهم على الأغلب يفتقرون للفطرة السليمة بشأن كل شيء، من الإنفاق الحكومي الخارج عن السيطرة والتنبؤ بالطقس إلى التعامل مع الأعداء الذي يحاولون قتلنا.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد

opinion@albayan.ae