في ظل التدافع والأزمات التي يعيشها الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة، حصلت تطورات ومتغيرات مهمة إن لم تكن خطرة، هذه التطورات لا تشكل هماً، ولم تحظ بقراءة متأنية، ولعل أبرز متحول في حياة الشعب الفلسطيني راهناً وانتقال قضيته من حالة الكينونة الوطنية والوعي الجمعي التحرري إلى حالة من التجمعات السكانية المحكومة بجغرافيا سياسية ذات خصائص متنوعة ومختلفة، تراكمت لديها بفعل تلك الجغرافيا احتياجات مختلفة حددتها سلفاً وجود هذه التجمعات في أطر جغرافية سياسية رئيسية وفرعية، منها ما هو متواجد على أرض فلسطين ومنها ما هو متواجد خارجها، وبغض النظر عن فعل الضرورة أو الصدفة أو المؤامرة.

فإن هذه التجمعات باتت تتشكل في ثلاث كتل رئيسية في فلسطين وهي: الضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطين عام 1948، وبالمقابل تتواجد ثلاث تجمعات رئيسية بالخارج، التجمع الأكبر في الأردن يليه سوريا ثم لبنان.

ويضاف إلى ذلك تجمعات الشتات في الوطن العربي والمهجر، وبغض النظر عن عارض الانقسام السياسي بين الضفة وغزة، فإن الفصل الجغرافي بينهما قائم بقوة الاحتلال.

وإذا ما تفحصنا بشكل دقيق مشاركة التجمعات الكبرى داخل وخارج فلسطين في العملية التحررية أو في فعل التحرر الوطني وفي المواجه مع إسرائيل، فإننا نجد حالة من الانفصال الموضوعي تحول دون مشاركة الكل الفلسطيني في العملية التحررية لا بل إننا نجد وبشكل موضوعي منذ ما يقارب الخمسة عقود أن النضال الوطني كان يستند دوماً على إحدى هذه التجمعات وبإسناد متواضع من باقي التجمعات، وقلما ما شهدت معركة التحرر الوطني مع الاحتلال مساهمات متكاملة ومتواصلة.

وإذا استعرضنا بشكل تاريخي موجز مسيرة التحرر الفلسطيني منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطيني عام 1964، فإننا نستخلص المحطات التالية:

أولاً- شكل قطاع غزة في حقبة الستينات مركز ثقل الصراع مع إسرائيل عبر إنشاء جيش التحرير الفلسطيني بزعامة أحمد الشقيري.

ثانياً- شكلت ساحة الأردن وتالياً التجمع الفلسطيني هناك مركز الثقل بعد نكسة حزيران عام 1967 وانتهى هذا المركز بخروج المقاومة من الأردن تجاه لبنان.

ثالثاً- ارتكز العمل الوطني الفلسطيني طوال عقد السبعينات وبداية الثمانينيات على التجمع الفلسطيني في لبنان إلى أن تراجع بخروج المقاومة في عام 1982 وتوزعها على الشتات العربي، مما جعل مركز الصراع ينتقل إلى داخل الأرض المحتلة سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو داخل فلسطين 1948.

وتمأسس الصراع من خلال الانتفاضة التي أعادت الصراع إلى نوع من التوازن النسبي، وجاءت اتفاقات أوسلو لتشكل رأس جسر لعودة الثقل السياسي إلى داخل الأرض المحتلة، الذي استمر حتى المرحلة الحالية بكل تحولاته السياسية، وتبعاتها الجغرافية.

وخلاصة هذه القراءة التاريخية السريعة هي فشل قيادات الشعب الفلسطيني بحقبها المتتالية في استجماع قوة الشعب الفلسطيني بتجمعاته المختلفة ودفعها في معركة التحرر والمواجهة مع إسرائيل.

وسواءً كان هذا الفشل ناجماً عن عوامل موضعية أنتجتها الجغرافيا السياسية أو ضعف في الرؤية وقلة حيلة في وضع استراتيجيات شاملة، فإن النتيجة الخطيرة التي وضعنا أمامها جميعاً هي غياب الكينونة الفلسطينية الجامعة.

وتآكل وحدة الشعب الفلسطيني المادية والمعنوية ، وما نجم عن ذلك من تحول التجمعات السكانية إلى كيانات شبه مستقلة تتكيف كل منها مع احتياجاتها الذاتية سواءً كانت هذه الاحتياجات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

وبدأت هذه الكيانات على ما بينها من رابط رمزي عمليات اندماج مع جغرافيتها السياسية ومتطلباتها الحياتية. فعلى سبيل المثال تراجعت مشاركة فلسطينيي العام 1948بعد توقيع اتفاقيات أوسلو وازدادت عملية انحسارها بعد الانتفاضة الثانية، فيما كان إسهامها الواسع بالقضية الوطنية إبان حقبة الانتفاضة الأولى.

والمثال الآخر هو التجمع المركزي الكبير في الأردن، حيث عمليات الاندماج السياسي والاجتماعي والاقتصادي واسعة وكبيرة جداً في الدولة الأردنية، ولا يكاد يضيف هذا التجمع أي قوة فعل في الصراع مع إسرائيل.

غير أن المثال الأكثر صراخه في بروز ظاهرة التجمعات السكانية هو الواقع المعاش في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي انتقل من حالة الانقسام السياسي إلى حالة الانفصال ،والآخذ في التوضع تدريجياً.

هذا الانفصال المترافق مع عمليات انقسامات حادة داخل المجتمع وعلى مستوى البنية السياسية والثقافية. بدء بدورة يتمدد مقسماً ولاءات واتجاهات باقي التجمعات الفلسطينية الأخرى.

ومن هنا برز لدينا ظاهرة سياسية خطرة وهي القسمة على الانقسام، فالشعب الفلسطيني بما تبقى له من بقايا وحدة سياسية وروحية ،انقسم على انقسامه وبرز لدينا اتجاهان سياسيان واحد يتركز في الضفة والأخر يتركز في غزة.

وفي قلب كل جغرافية سياسية منهما انقسامهما الداخلي، وظهرت تاليا نتيجة هذا الانقسام حالة من الإلحاق الكلي لطرفي الانقسام بالمراكز الإقليمية النافذة. سواءً كانت عربية أو غير عربية. وتلاشي ما كان يسمي بالقرار الوطني المستقل.

هذا الإلحاق يضاف إليه شروط البقاء والاستمرار لقيادة التجمعات السكانية في كل من الضفة وغزة، وليست القضية الفلسطينية. فرض جملة من المتحولات السياسية على القيادات المنقسمة أبرزها الانصراف إلى شؤون الحكم والسيطرة وتوفير مستلزمات البقاء بعيداً كل البعد عن متطلبات المواجهة مع إسرائيل.

والسؤال هنا هل تم إغراقنا واستغراقنا لاحقاً في هموم (الحكم) والسلطة بعيداً عن المشروع الوطني التحرري؟ باتجاه تكريس فكرة التجمعات السكانية، بعيداً عن الكيانية الفلسطينية الجامعة للفعل الجمعي الوطني التحرري. الجواب على الأغلب نعم مع الأسف.

كاتب فلسطيني

nas603@hotmail.com