في 31 يوليو 1997، كان بنيامين نتنياهو يصرخ في رئيس جهاز «الموساد» داني ياتوم: «أريد رؤوسهم، أريدهم موتى، لا يهمني كيفية حدوث ذلك، أريده فقط أن يتحقق وأريده عاجلًا وليس آجلًا».(انظر: غوردن توماس: «جواسيس جدعون»، الدار العربية للعلوم ومكتبة مدبولي، القاهرة 2007).
كان بيبي الذي لم يعرف من مسؤوليات الحكم سوى حركات العلاقات العامة والظهور الإعلامي، يريد نصراً سريعاً أو بالأصح ثأراً سريعاً، رداً على عملية قامت بها حركة «حماس» في الشطر الغربي من القدس قبل ذلك التاريخ بيوم قتل فيها 15 إسرائيلياً وجرح أكثر من 157.
وإذ تردد ياتوم ومسؤولي الموساد الكبار في تنفيذ عملية اغتيال دون الأخذ بعين الاعتبار تبعاتها السياسية، فإن نتنياهو كان يلح ويضغط من أجل تنفيذ عملية ثأر، مشدداً في إحدى محادثاته مع ياتوم على «أن روش هاشانا (السنة اليهودية) قريبة.. ستكون تلك هديتي للشعب». (المصدر السابق).
تالياً، وقع الموساد في واحد من أكثر أخطائه الفادحة في تاريخه المليء بالأخطاء والقتل. لقد حاول عملاء الموساد اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس) خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمّان، لكن شجاعة حارس مشعل والمواطنين الأردنيين الذين طاردوا القتلة في شوارع عمّان، هي التي أحبطت هذه العملية.
أما الجزء المتمم لهذه الشجاعة، فلقد كان موقف العاهل الأردني الراحل الملك حسين، الذي رفع الهاتف وتحدث إلى نتنياهو بشكل غاضب.
الملك حسين هدد نتنياهو بإلغاء معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل.. واشترط عليه إرسال الترياق المضاد للسم الذي حقن به عملاء الموساد مشعل، وإطلاق سراح زعيم حماس الروحي الشهيد أحمد ياسين وعدد من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيي، وصل الترياق خلال ساعة على متن طائرة عسكرية، وشفي مشعل بعد أيام وأطلق سراح الشيخ أحمد ياسين، وكانت فضيحة كبرى للموساد ولنتنياهو.
ها هي عملية أخرى تجري في ظل حكومة نتنياهو وبأمر منه، فالاغتيالات التي يقوم بها الموساد يجب أن يأمر بها كتابةً رئيس وزراء إسرائيل، حسب قانون الموساد نفسه.
لكن عملية اغتيال محمود المبحوح في 20 يناير الماضي، رغم نجاحها والإعداد المحكم لها، تنطوي على الصفاقة نفسها التي أظهرها نتنياهو في محاولة اغتيال مشعل قبل 13 عاماً. فشرطة دبي أظهرت مستوى من الاحتراف جعلها تكتشف فريق الاغتيال في أيام قليلة عن طريق كاميرات المراقبة.
مفاعيل هذه الصفاقة تتضح الآن في إسرائيل نفسها، التي بدأت صحفها تسوق انتقادات واضحة لهذه العملية. فصحيفة «يديعوت أحرونوت» خرجت بهذا العنوان: «عملية ناجحة؟ لسنا متأكدين»، مشيرة إلى «ثغرات تتكشف شيئاً فشيئاً في هذه العملية التي بدت في البداية نجاحاً كبيراً». (وكالة الصحافة الفرنسية، الأربعاء 17 فبراير).
وحسب «فرانس برس» فإن الصحيفة امتنعت عن إدانة الموساد مباشرة، لكنها قالت إن «الذين أعدوا هذه العملية لم يأخذوا في الاعتبار مهنية شرطة دبي»، التي تمكنت من التعرف إلى المشبوهين عن طريق كاميرات المراقبة.
وحسب «فرانس برس» أيضاً، فإن إذاعة الجيش الإسرائيلي نقلت عن مسؤول كبير في الموساد أن جهاز الاستخبارات هذا سيكون قد «ارتكب خطأ فادحاً» إذا تبين أنه استخدم جوازات سفر إسرائيليين خصوصاً دون موافقتهم.
لكن متى كانت الاغتيالات التي يقوم بها الإسرائيليون ذات جدوى؟ لقد اغتال الموساد مئات الفلسطينيين واللبنانيين على مر عقود طويلة من عمر الصراع العربي الإسرائيلي، وتوج ذلك باغتيال ياسر عرفات بالسم في 2004، فهل تغير شيء في الاستحقاق التاريخي الذي ينتظر إسرائيل؟
أو هل تغير شيء في تصميم الشعب الفلسطيني أو نضاله من أجل دولته المستقلة على أرضه المحتلة؟
إن زعيماً قصير النظر مثل نتنياهو، سيبقى واحداً من ساسةٍ إسرائيليين صغار، لا يرى أكثر من شاشات الإعلام ساحة لانتصاراته الإعلامية.
ومثل هذه العمليات لا تدل سوى على أزمة الإسرائيليين أنفسهم، فهم يلعبون مع الزمن منذ 1993 وحتى اليوم، مرة بأسلوب نتنياهو والصغار الذين على شاكلته، ومرة بأسلوب شارون والسفاحين الذين يماثلونه: حروب تتوج بمجازر دوماً، فعلها هذا الفيل الذي يحتضر في بيروت عام 1982، حيث توج اجتياحه بمجزرة صبرا وشاتيلا وكررها في اجتياح جنين عام 2002 وتوج الاجتياح بمجزرة في جنين.
بقي ضمير العالم أخرس كالعادة، ولا ندري الآن ما الذي سيقوله السيد باراك أوباما وهو يرى الساسة الإسرائيليين يتلاعبون بكل خططه المحاطة بالبلاغة من أجل إحلال السلام في هذه المنطقة، عبر اللعبة التي لم يتقنوا غيرها منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم: «القتل.. والقتل فقط» فيما العالم يحصي الضحايا من العرب.
كاتب وصحافي بحريني