يتطلع الكثير من المراقبين إلى العراق الشقيق بمزيد من التفاؤل، ويتوقعون أن يكون العام الحالي منعطفاً يخرجه من عقود اتشحت بسواد الحروب والعقوبات الدولية والغزو، وبخاصة في ضوء انتخابات مارس المقبل، وما ينتظر أن يعقبها من بدء انسحاب القوات الأميركية. يتوقع بعض هؤلاء المراقبين أن العراق سيتحول إلى ساحة فريدة لفرص استثمارية كبرى، لم تعرف المنطقة مثيلاً لها منذ وقت طويل.

هذه الرؤية المتفائلة لعراق الغد لم تنبع من فراغ، وإنما هي تستند إلى العديد من العناصر الموضوعية، التي يمكن أن نرصد جانباً منها عبر النقاط التالية: أولاً ـ المؤسسات العراقية تشق طريقها، على مهل، إلى أن تصبح مؤسسات شرعية وقانونية، تتجاوز كل ما يعترض طريقها من عراقيل، بما في ذلك الخلاف المحتدم حول أهليتها واختصاصها ونزاهتها، حتى على الرغم من الظل الطويل الذي لا يزال يلقيه عدم حسم وضع الشمال العراقي، بكل ما يكتنفه من صعوبات. ثانياً ـ يعود الجيش العراقي إلى اكتساب جانب من المقومات الضرورية له، كمؤسسة وطنية فعالة، وعلى الرغم من أن الشوط لا يزال طويلاً أمامه قبل تحقيق الآمال الكبار المعلقة عليه، فإن رحلة الألف ميل قد بدأت بالنسبة إليه.

ثالثاً ـ تحت الأرضية التي لا تفتقر للنزاعات في الحياة السياسية العراقية، ينعقد الإجماع بين القيادات السياسية من كل الجماعات والانتماءات والاتجاهات على أنها لم تعد تملك رفاهية الاستمرار في الخلاف المدمر، وأنها تسلم بأن تطوير موارد العراق الكبيرة، في إطار مشروع وطني شامل للتنمية يستفيد منه الجميع، لا بد أن يبدأ بالوصول إلى حلول وسط تكفل الاستقرار للبلاد.

رابعاً ـ على الرغم من كل المشكلات المتعلقة بحكم العراق وإدارة أوجه الحياة والنشاط فيه، فإنه غدا واضحاً للعيان أن تحوله إلى دولة فاشلة يعد إمكانية محدودة للغاية، تكاد تؤول إلى الصفر تقريباً.

خامساً ـ من المحقق أن العراق يتحرك على الصعيد الجيوسياسي في اتجاه إيجابي، بدا واضحاً في التطور الإيجابي للعلاقات بين بغداد وأنقرة، وسواء أسفرت الانتخابات المقبلة عن استمرار نوري المالكي في موقعه رئيساً للحكومة العراقية أم عن تنحيته، فإن من المتوقع أن تشهد بغداد تغيراً نوعياً في علاقاتها مع العديد من العواصم العربية، التي يدرك صانعو القرار فيها أن تطوير العلاقات مع العراق ليس أمراً يمكن تأجيله سنوات عدة، كما حدث في السابق.

إذا وضعنا هذه الحقائق في الاعتبار، فإن المجال ينفتح أمامنا لتأمل جانب بالغ الأهمية في تشكيل المستقبل العراقي، وهو الجانب المتعلق بتطوير قطاع النفط.

أول ما يلفت النظر في هذا الصدد أن هذا القطاع يفرض تطويره كأولوية قصوى على كل الأطراف المعنية به، فالعراق ينتج اليوم 4 .2 مليون برميل نفط يومياً، وهو ما يضعه في مرتبة متدنية عن «الدزينة» الأولى من الدول المنتجة للنفط عالمياً، بينما لم يتردد توني هوارد، الرئيس التنفيذي لشركة بريتش بتروليوم في التأكيد، مؤخراً، أن من المحتمل أن نشهد العراق وقد قفز بإنتاجه من النفط إلى 10 ملايين برميل يومياً، في غضون 10 سنوات من الآن.

ويلفت نظرنا أيضاً أن هناك من الخبراء من لا يتردد في توقع أن يتجاوز الإنتاج النفطي العراقي نظيره السعودي المقدر حالياً بـ 7 .10 ملايين برميل يومياً.

ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن الاحتياطي السعودي المؤكد من النفط يقدر حالياً بنحو 266 مليار برميل، بينما يحتل احتياطي العراق المرتبة الرابعة عالمياً بعد كندا وإيران، حيث يبلغ 115 مليار برميل. ولكن هذا الرقم العراقي يعود إلى السبعينات، وبالتالي فإنه بالاستعانة بالتقنيات الحديثة يمكن إضافة احتياطيات عراقية هائلة لا يصعب تطويرها.

وهناك من يتوقف طويلاً عند الحقيقة القائلة إن الشركات الأميركية خرجت خاوية الوفاض من مزاد حقوق تطوير النفط العراقي، الذي أقيم في ديسمبر الماضي، حيث كانت الصدارة لشركتي شل وبتروناس، اللتين ستطوران حقل مجنون، الذي يضم احتياطياً مؤكداً يبلغ 5 .12 مليار برميل، وشركتي لوكويل وستاتويل اللتين ستطوران حقل القرنة الغربي2، الذي تقدر احتياطياته بـ 13 مليار برميل.

لكن تلك ربما كانت رسالة أميركية مقصودة، مفادها أن تطوير القطاع العراقي مهمة عالمية، وبالتالي فإن دفع ثمن أي متاعب مترتبة على غزو العراق ينبغي أن يكون من رصيد عراقي وعالمي، وليس أميركياً.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الشركات الأميركية كانت الرابح الكبير في مزاد يونيو الماضي، ونجاح مزاد ديسمبر سيفرض احتياجات هائلة إلى نشاط قطاع الخدمات النفطية، الذي يكاد الأميركيون أن يحتكروه.

وأسلوب المزاد وما يسفر عنه من تسليم جانب كبير من الثروة النفطية العراقية للأجانب هو من نتائج الغزو، ويتناقض مع طبائع الأمور بالنسبة إلى العراقيين، وبالتالي يطرح مشكلة مشروعية هذه العقود في حال تداول السلطة، لتضاف إلى مشكلة الخلاف على السيطرة على الاحتياطي النفطي في الشمال العراقي.

وعلى الرغم من كل هذه المشكلات، فإن العراق الشقيق يظل واعداً بمستقبل يتجاوز سنوات الحروب والعقوبات والغزو، مستقبل لا تغدو فيه هذه السنوات أكثر من لحظة في الظلام، اعترضت مسيرة تاريخ شعب عريق، ومن المؤكد أن لحظة في الظلام لا تسلبنا النظر.

kamel@albayan.ae