ثمة جانب شديد الخطورة في عملية اغتيال القيادي الفلسطيني من حماس محمود المبحوح، لا يقلل من خطورتها تكرارها على مدى عقود من جانب اسرائيل، ألا وهو اعتياد اسرائيل على انتهاك حرمة وسيادة الدول العربية بالذهاب وراء القيادات الفلسطينية واغتيالها في أي دولة عربية ثم الخروج كما لو كان المنفذون يدخلون مقهى على قارعة الطريق ثم يغادرونه بعد احتساء كوب من المشروب. وقد طالت مثل هذه العمليات بالطبع عواصم عديدة في العالم وخاصة في أوروبا وأميركا، لكن العرب وحدهم هم الذين يواجهون الخطر الاسرائيلي وحدهم، ودون دعم دولي يذكر، ومن ثم فالدول العربية يجب ان تدرج ضمن جدول أعمالها في حديث السلام الحاضر قولاً والغائب فعلاً ضمانات لاحترام سيادة الدول العربية على منافذها البرية والبحرية والجوية وكذلك احترام هيبة أنظمتها السياسية، ولعلنا نلاحظ تلك اللغة (الهادئة) التي تتناول بها كل من فرنسا وبريطانيا والنمسا وأيرلندا قضية استخدام جوازات سفرها وشبكات هواتفها في تنفيذ مثل هذه العمليات الدموية التي تقوم بها اسرائيل، فهذا أمر متوقع ولا يثير الدهشة، كون أوروبا واميركا يقدمان لاسرائيل كل دعم مادي ولوجستي لتنفيذ مثل هذه العمليات، ومن ثم تكون تحركات أو تصريحات المسؤولين الاوروبيين تجاه هذه الانتهاكات مجرد ذر للرماد في عيون المنتقدين لتخاذل الاتحاد الاوروبي والدول الغربية عموماً في حسم القضايا المعلقة مع اسرائيل بسبب الانتهاكات المتوالية.
وقد سبق وأعطت اسرائيل لبريطانيا وعداً بعدم استخدام جوازات سفر بريطانية في تنفيذ مثل هذه العمليات الا ان اسرائيل انتهكت الوعود ولم تلتزم بها لأنها على يقين من عدم وجود أي رد فعل ذي أهمية. إنه واجب جامعة الدول العربية في الحقيقة أن تنهض إلى بحث مثل هذه الانتهاكات واتخاذ موقف سياسي رادع، حتى لا تكون الاراضي العربية مجرد فناء خلفي لاسرائيل تفعل به ما تشاء حينما تشاء دون أي خوف او تردد.
هذه المرة جمعت الدولة التي تعرضت أراضيها لانتهاك الموساد (الامارات العربية المتحدة) من الأدلة الدامغة بالصوت والصورة وبتقنيات عالية الوضوح ما يدين ليس فقط اسرائيل وإنما كل الدول الأخرى التي تهاونت في اتخاذ موقف حازم ضد اسرائيل بسبب استخدام جوازات سفرها. بل المعروف ان تلك الدول تعطي جنسيتها لأي اسرائيلي يطلبها، بحيث يصبح أي اسرائيلي وليس فقط عملاء الموساد حاصلا على عدد وافر من الجنسيات وجوازات السفر (الصحيحة تماماً) وليست المزورة كما سبق وأعلنت بعض الدول الأوروبية الضالعة في عمليات الموساد قبل أن تتراجع وتعترف بالحقيقة على استحياء.
أما قادة المقاومة الفلسطينية فقد نذروا أنفسهم للنضال ضد الاحتلال واستوى عندهم في ذلك الموت والحياة شأنهم شأن كل المقاومين ضد احتلال أراضيهم على مر التاريخ والجغرافيا. لكن الدول المسالمة والتي تتعامل بشفافية وتسعى لتكريس جهودها للتنمية المحلية والدولية فلا يجب تعريض أمنها القومي للانتهاك على هذا النحو، وبالتأكيد فإن الدول العربية لو اجتمعت على موقف حاسم ضد اسرائيل وداعميها فإنها ستحصل على ما تريد خاصة احترام السيادة، بحيث لا تدع الدول العربية ضجيج الاتهامات المتصاعدة حول الجوازات والبصمات والأدلة الأخرى يغطي على حق السيادة الذي تقره المواثيق الدولية.
