اعترف الكثيرون من خبراء الاقتصاد والمال في الولايات المتحدة والغرب، بأن النهج الرأسمالي الذي بدأ تطبيقه في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، هو انحراف واضح عن النهج الرأسمالي العلمي الذي وضع أسسه آدم سميث ورفاقه، والذي سارت عليه الرأسمالية الغربية ردحاً من الزمان، استطاعت فيه أن تحقق مكاسب كثيرة وتبني دولاً عظمى وتؤسس لأقوى الاقتصادات في العالم.
وكان هذا النهج العلمي السليم للرأسمالية هو المتبع إلى حد كبير في الولايات المتحدة حتى أواخر السبعينات، لكنه انحرف بدرجة كبيرة عندما بدأت الثروات المكدسة تتجه بكثافة للمضاربات في أسواق المال، من أجل تحقيق صفقات كبيرة في أسرع وقت.
الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في الولايات المتحدة، تنبأ بها الكثيرون في روسيا وأوروبا منذ سنوات الثمانينات، وحذروا الأميركيين كثيراً منها، لكن الأميركيين كانت ثقتهم في أنفسهم أكثر من اللازم، وكانوا ينظرون لاقتصادهم الضخم الذي يغطي العالم كله وعملتهم التي ترك العالم كله من أجلها الذهب، وتصوروا أن هذا كله لا يمكن أن ينهار لأي سبب من الأسباب ولا بأي قوة في العالم.
الآن وبعد مرور أكثر من عام على اندلاع الأزمة، وعلى مدى العام والأميركيون يكابرون ولا يعترفون بأن كرة الجليد يزداد حجمها وتزداد سرعة انحدارها للهاوية، على الرغم من أنه لا يمر الآن أسبوع واحد دون انهيار بنك أو أكثر في الولايات المتحدة، حتى تعدى عددها مئة وأربعين بنكاً، ومع هذا يتعاملون وكأن الأمر عادي، وكأنهم مسيطرون على الأزمة ومتحكمون في توجهاتها.
ومع ذلك، منهم من يعلم بخطورة الأمر، وهناك من يلقي باللوم على آخرين ويتهمهم بأنهم هم الذين خلقوا الأزمة عمداً في الولايات المتحدة، وأخيراً خرج هناك من يتهم روسيا بأنها وراء أزمة الإقراض العقاري في الولايات المتحدة، ويتهمها أيضاً بأنها حرضت الصين على خلق أزمة مالية في أميركا.
هنري بولسون وزير المالية الأميركي السابق، وضع مؤخراً كتاباً طرح للبيع في الأسواق في أول فبراير الجاري تحت عنوان «مذكرات وزير»، يتهم فيه مباشرة روسيا والصين بأن لهما دوراً كبيراً في الأزمة المالية في الولايات المتحدة.
ويقول بولسون في كتابه إن روسيا حثّت الصين على شن حرب مالية على الولايات المتحدة الأميركية في عام 2008 قبل بدء الأزمة المالية العالمية، ويقول أيضاً إن روسيا اقترحت على الصين في أغسطس 2008 .
أن تبيعا كميات كبيرة من سندات وكالتي الإقراض العقاري الأميركيتين «ئفََيم حفم» و«ئْملليم حفك»، حتى تواجها مصاعب مالية ولا ترى الحكومة الأميركية بدّاً من سحب أموال طائلة من خزانتها لإنقاذهما، عن طريق تأميمهما وتحويلهما إلى الملكية العامة.
ويشير بولسون في كتابه إلى أنه علم ب«خطة تخريبية روسية» حينما حضر الألعاب الأولمبية في بكين في أغسطس 2008، وأن السلطات الصينية رفضت هذه الخطة.
ما يقوله بولسون في كتابه سبق وأن تداولته وسائل إعلام غربية، فقد كتبت وكالة أنباء بلومبرغ في مطلع الصيف الماضي تقول إن روسيا باعت سندات لهاتين الوكالتين الأميركيتين بقيمة 6,65 مليار دولار في سبتمبر 2008، وهذا الكلام ليس صحيحاً، وروسيا لا يمكن أن تفكر في تخريب اقتصاد دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية، لأنها ببساطة تعلم أن دولاً كثيرة ستتضرر من ذلك ومنها روسيا نفسها.
ورداً على هذه الاتهامات الباطلة صرح ديمتري بيسكوف السكرتير الصحافي لرئيس الوزراء بوتين للصحافيين قائلاً:«إن روسيا كانت قد وظفت أموالاً كبيرة في هاتين المؤسستين، ولا يمكن أن تسعى لانهيارهما وأموالها فيهما، وهذه الحقيقة معروفة للشركاء الأميركيين الذين أعربوا أكثر من مرة عن امتنانهم للجانب الروسي على تصرفاته المتوازنة في هذا المجال».
على ما يبدو أن هذه الاتهامات ليست النهاية بل البداية، ومن المتوقع مع زيادة تداعيات الأزمة ووشوك السفينة على الغرق، وبداية هروب الكثيرين منها، أن تزداد حدة الاتهامات الباطلة للآخرين، على أنهم سبب الأزمة وأنهم هم الذين خططوا لها حقداً وكرهاً لأميركا العظمى!
كاتب ومحلل سياسي أوكراني