وأخيرا انتهت الأزمة بين مصر والجزائر على خلفية مباراتي كرة القدم في القاهرة وأم درمان، والتي خاض تفاصيلها ونشطها بعض من المؤسسات الإعلامية في البلدين. انتهت الأزمة بعودة السفير المصري إلى سفارته في الجزائر، وباستقبال الوفد الرياضي الجزائري المشارك في البطولة الإفريقية التاسعة عشرة لكرة اليد، بالورود وبحفاوة في مصر.
هكذا انكشفت أمور فضائيات العار التي كانت تتاجر بعواطف الجماهير وتتلاعب بأعز شيء عندهم، ألا وهو كرامة وسمعة وشرف بلدهم.نعم، لقد هيّجت فضائيات العار الملايين وشحنتهم بالحقد والكراهية، حيث وصل بها الأمر إلى التحريض على القتل على الهواء مباشرة.
يحدث هذا من قبل مؤسسات إعلامية وإعلاميين، كان من المفترض ومن واجبهم الدعوة إلى التبصر والتعقل والكياسة واللباقة واحترام الآخر، والنهي عن المنكر والدعوة إلى التسامح والتفاهم والمحبة والوئام.
ما حدث يعتبر وصمة عار على جبين اؤلئك الذين نسوا أخلاقيات الإعلام، وتجردوا من موضوعيتهم ومسؤوليتهم والتزامهم، ومن رسالتهم النبيلة والشريفة من أجل خدمة الحقيقة وخدمة المصلحة العامة.
هكذا انتصرت أخيراً الرياضة، وهزمت الإعلام الذي تجاوز حدوده وانحرف عن مساره، ليفرض نفسه طرفاً في منافسة كان من المفروض أن تكون بين فريقين وعلى أرضية الملعب، وليس بين مشجعين وإعلام دولتين.
فالمنافسة بين الفريق المصري والفريق الجزائري كانت شريفة فوق ملعب كرة القدم، لكنها مع الأسف الشديد لم تكن شريفة بين إعلام مصر والجزائر، الذي تفنن في الشتم والقذف والتجريح، مخالفا أبجديات أخلاقيات العمل الإعلامي الشريف والنبيل.
أخيرا، انتصرت الرياضة على الإعلام، وانتصرت المنافسة الشريفة على فضائيات الحقد والكراهية والشتم والتجريح.
صور رائعة تلك التي شاهدناها في مطار القاهرة، عندما استقبل المنتخب الوطني الجزائري لكرة اليد شباب وسيدات بالورود، وبحضور رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة اليد منصور أريمو، وكذلك الأمين العام لاتحاد كرة اليد المصري هادي فهمي والسفير الجزائري في القاهرة.
صور الحفاوة والاستقبال الحار وكرم الضيافة التي عهدناها في مصر الحضارة والتاريخ، كانت حاضرة وباهرة. كما كان جميلا حرص حسن صقر رئيس المجلس القومي للرياضة في مصر، على زيارة بعثة الجزائر وعقد مؤتمر صحافي بحضور عبد القادر حجار سفير الجزائر في القاهرة.
للطمأنينة على الوفد الجزائري والتأكد على أن كل شيء على أحسن ما يرام، وعلى طي صفحة النكد الدخيلة على السياق التاريخي لعلاقات البلدين والشعبين الشقيقين.
فعندما توقفت فضائيات العار عن صب الزيت على النار وعن تهييج الجماهير، عاد الاحتكام إلى العقل والبصيرة والسلوك الحسن والمسؤول.عادت الأمور إلى أصولها، وعادت الشيم والخصال الحميدة.
وعاد السلوك السليم والتنافس الشريف، وعادت لغة الرياضة السامية التي تهدف إلى التقارب بين الشعوب، وإلى التعارف والمحبة والوئام. فالإعلام باستطاعته أن يقود الشعوب إلى حروب، وصدق من قال إن «الحرب أولها كلام».
فخلال الشهور الثلاثة الماضية شاهدنا تجاوزات قلما حدثت في تاريخ الإعلام العربي وفي تاريخ دولتين شقيقتين، كادت فضائيات العار أن تعصف بتاريخهما وعروبتهما وعلاقاتهما التي لا تزعزعها الأقلام الحاقدة والكائدة والماكرة، التي عبرت عن إفلاس جهات إعلامية لا علاقة لها بالمسؤولية الاجتماعية، ولا بأخلاقيات الإعلام والالتزام والموضوعية، واحترام آداب ومبادئ التعامل مع المادة الإعلامية ومع الحقيقة ومع الجمهور.
فبدلا من تصحيح الأخطاء والإشارة إلى التجاوزات والدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر، شاهدنا فضائيات وإعلاميين يفبركون الأخبار ويضخمون الأحداث، من أجل التباهي والمزايدات التي لا يحتاجها العمل الإعلامي الملتزم والمسؤول.
شاهدنا إعلاميين يدعون ويحرضون على القتل، وشاهدنا صحافيين يفبركون الأحداث ويلفقون الأقوال ويساهمون في التشويه والتضليل والتزوير والكذب.شاهدنا كذلك أفرادا يدعون أنهم تعرضوا للخطف والتعذيب والتنكيل والإرهاب...الخ، وهم في حقيقة الأمر سالمون لم يتعرضوا لأي أذى.
هذه المرحلة السوداء من تاريخ الإعلام المصري والجزائري، سادها التهويل والتضليل والكذب والتلفيق والتعصب والغطرسة، والنتيجة يعرفها الجميع، وهي محاولة نشر الكراهية والسلوك غير السوي من شبان انحرفوا عن السبيل السليم وعن التشجيع الرياضي الشريف.
وعندما هدأت تلك الأقلام والفضائيات وابتعدت عن بث السموم، وعندما احترم كل واحد مهنته وضميره، هدأت الجماهير وشاهدناها في أنغولا خلال بطولة أمم إفريقيا لكرة القدم، تشجيعاً بكل مسؤولية وروح رياضية مؤمنة بأن الرياضة هي رابح وخاسر، والغلبة تكون دائما للأحسن وللأجدر والأقوى.
والدرس الذي يجب على فضائيات العار أن تحفظه جيدا، هو أن بطولة أمم إفريقيا لكرة اليد التي تجري فعاليتها في مصر هذه الأيام، تجري حسب أصول المنافسة الرياضية الشريفة وحسب إيتيكيت الرياضة وأخلاقياتها.
بدون مشاكل ولا تجاوزات.وما يجب أن يتعلمه صحافيو الدجل والشعودة والشتم والتجريح، هو أن المباريات التي أجريت بين الفريق المصري والفريق الجزائري لكرة القدم، كانت كلها شريفة ونظيفة فوق الملعب.
وهذا يعني أن الأزمة التي دامت نحو ثلاثة شهور بين الشقيقتين مصر والجزائر، كانت صناعة إعلامية بطعم سياسي من الطراز الأول، أزمة افتعلها الإعلام بالتواطؤ مع السياسيين، وراح ضحيتها الجمهور الذي انساق وراء الشتائم والصور المفبركة والمضللة.
ونتساءل بعد كل هذا؛ ماذا جنته فضائيات العار من وراء التضليل والتشويه والكراهية والتعصب والانحياز، خاصة بعد ما انكشف أمرها وظهرت الحقيقة في كأس أمم إفريقيا لكرة القدم في أنغولا، وفي كأس أمم إفريقيا لكرة اليد في القاهرة.
بوجود المنتخبات والمشجعين الجزائريين والمصريين، ودون حدوث أي تجاوزات أو اعتداءات من كلا الطرفين.فتبرير الهزيمة وإرجاعها إلى تصرف الجمهور وسلوكياته وهمجيته، لا أساس له من الصحة لأن الربح والخسارة يتقرران على أرضية الملعب، وليس خارجه.
إن الرسالة الإعلامية ليست عاطفة وانحيازا أو تضخيم وقائع وتقزيم أخرى. والحقيقة، عاجلاً أم آجلاً، لا بد أن تنجلي وتظهر للجميع، ولا يستطيع أي صحافي إخفاءها.. وهكذا عادت الأمور إلى طبيعتها وإلى ما يجب أن تكون عليه.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
