مثل حقل الاتصال والمعلومات على مر التاريخ، المصدر المهم للقوة والقوة المضادة والسيطرة والتغيير الاجتماعي.فالمعركة الرئيسية بين القوى المختلفة في المجتمع، تتحدد في النهاية بالقدرة على امتلاك عقول الناس والجماعة، بكل ما يعنيه هذا الامتلاك من آليات ومصادر، وبكل ما يعنيه هذا العقل من توجهات وقيم ومعايير وأخلاق.

فإذا كانت عامة الناس تفكر بصورة مختلفة عن تلك القيم والمعايير المؤسساتية المشكلة لجهاز الدولة، والمتضمنة في أنظمتها وقوانينها المكتوبة وأعرافها غير الموثقة، فإن ذلك قد يقود في بعض حالاتها لقدر من التغيير، الذي قد يأتي على الدولة مغيراً النظام الذي في ضوئه تعمل أجهزتها المختلفة.

وهو تغيير قد يأتي أحياناً مناقضاً لرغبات وكلاء التغيير في المجتمع، وقد يأتي في غير دراية الدولة أو بتغاضٍ منها، إلا أنه حتماً سيقود لمجموعة من التغيرات الأخرى الجديدة، التي تفرض على الدولة في المحصلة النهائية قدراً من التنازل وتالياً التطبع بالقيم الجديدة.

وهي حالة بدت أقرب لوصف تلك التنازلات التي جاءت على الدولة العربية خلال العقود الثلاثة الماضية، مطيحة في ذلك بالحداثة الاجتماعية التي بدأت في بعض المراكز العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وربما قبلها بعقود.

فأي رحلة بريئة في عالم الانترنت، تكشف لنا عن حجم التأثير غير العادي والمرتقب لهذا الفضاء الجديد، الذي قد يجعل شخصاً ما في أقاصي العالم متأثراً بأفكار تولد في جبال أفغانستان، أو أن يكون لأفكار داعية على الانترنت تأثيرها على طبيب نفساني على الضفة الأخرى من العالم، أو أن تجعل مراهقة إنجليزية تنقاد لمقابلة مجند أميركي في العشرينات من عمره.

أو أن تأتي الجرأة بفتاة من مجتمع عربي في غاية المحافظة، وتعلن على شاشة إحدى الفضائيات العربية رغبتها في الزواج من داعية البرنامج التلفزيوني الديني لأنها قد وجدته وسيماً.

أو أن يُجعل من اختراق مواقع الأجهزة الحكومية الحساسة في الدول الغربية وغيرها، هواية للمراهقين في هذه الدول وخارجها، أو أن تتبارى الدول في ما بينها على اختراق أجهزة الدول الأخرى الحساسة، أو أن تخترق الدول أجهزة المنظمات المناهضة أو المعارضة لها في كثير من المواقع حول العالم.

لقد أتاحت وسائل الاتصال التكنولوجي الجديدة، أن تتشكل علاقات بين المرسل والمستقبل تتجاوز نمط العلاقة ذات الاتجاه الواحد، بل إن العلاقة قد بدت في بعضها ذاتية ـ جمعية.فالكثير من الدعاة والمشاهير من الممثلين والرياضيين والمغنين والساسة ورؤساء الدول والأحزاب، يتواصلون من خلال مواقعهم الأنترنتية مع المعجبين والشاكين والمستفسرين.

ويتشكل في ضوء ذلك وبفعل هذه التقنية الاتصالية، شكل من أشكال العلاقة الذاتية ـ الجماهيرية، من خلال التواصل الشخصي مع الفرد أو مع الجماهير.

إنها حالة تتطلب معالجة تذهب أبعد من مسألة الحماية التي لم تعد الدولة، ولأسبابها الخاصة وأسباب أخرى متعلقة بالفضاء السيبرني ذاته، قادرة على تحقيقها. فالدولة كما يقول مانويل كاستيل، لم تعد هي مصدر القوة الوحيد في المجتمع. فالقوة في الفضاء السيبرني الجديد، إنما تأتي من تلك التدفقات الفاعلة والرموز الثقافية المتشكلة في هذه الشبكات.

وهي شبكات منزوعة القيمة، وتخضع في عملها لطبيعة الشروط التي تعمل في إطارها، وهي شروط وإن كانت نتاج صراع على القوة، إلا أنها بمجرد أن تحرك الآلة فإنها تكون محكومة بمنطق عمل الآلة، أكثر من الإنسان واضع هذه الشروط.

وقد يطرح البعض أن فشل الدولة لا يعفي المجتمع، وتحديداً منظماته المدنية، من أن تقوم بدور ما.

ولكن المعضلة تبقى في أن هذه المنظمات في بعض، إن لم يكن كل، المواقع العربية، وبفعل ضيق الفضاء الذي تتحرك في إطاره وضعف إمكانياتها البشرية والفنية والمادية، محدودة القدرة على أن تكون رائدة في تبني الحل أو علاج المشكل.

بالإضافة لذلك فإن فضاء المجتمع المدني يفتقر لمنظمات تخصصية ورائدة في هذا المجال، وقادرة على تقديم المعالجة المطلوبة.من هنا بدأت المنظمات الدعوية والإرشادية الدينية لتلعب أدواراً في إعادة إنتاج قيم محافظة وأنماط للفعل، قد تشكل بعضها في مرحلة ما قبل الدولة.

وخلاصة القول ان الدعوة إلى الحماية تحمل في مضامينها فعل الخوف من ناحية، والرفض بالمختلف والآخر من ناحية أخرى، وهو تعبير أقرب إلى فعل المؤسسات الأمنية منه إلى المعرفية.

من هنا فإن المعالجة في نظرنا لا تبدأ بفعل الخوف، وبالتالي المنع والحظر والشطب والإغلاق، وإنما في القدرة على أحداث الفعل الموازي في الأفراد..هذا الفعل الذي يجعل من هؤلاء الأفراد مقبلين على العالم الجديد بفعالية، وفي الوقت ذاته يجعلهم قادرين على تحديد الضرر ومعالجته.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com