قد يتساءل البعض حول طبيعة عنوان هذه المقالة:هل هناك عقلانية عربية؟! العقلانية بمفهومها العام لكل الشعوب، وليست هناك عقلانية عربية أو ألمانية أو إفريقية... الخ.

لكن وضع العنوان بهذه الصيغة مع «ال» التعريف، يعني أن كاتب المقال له هدف محدد يريد الوصول إليه ورسالة يريد توصيلها للقراء، والعلاقة بين الكلمتين في العنوان هي كيف يمارس العرب العقلانية في حياتهم؟

وقبل هذا وذاك، لا بد من تعريف العقلانية، فهي إعمال الفكر والرأي في فهم وتدبرّ أمور الحياة، والاعتماد على العلم والعقل في ذلك.وهذا لا يناقض الدين، لأن الدين الإسلامي قد احترم عقل الإنسان ونادى بالتعقل، وقد ذكر في القرآن الكريم (أفلا تعقلون).

واختلف المفكرون والمثقفون في وقتنا الحاضر في تفسير العقلانية ومعناها، فبعضهم يرى أن العقلانية تعني العلمانية، وبعضهم يرى أنها غير ذلك.ونحن لا ندخل في جدل فلسفي حول ذلك، والذي يمكن قوله هو أن العقلانية والعلمانية لا ترفضان الدين.

فالأولى هي تحكيم العقل في أمور الدين والدنيا، والثانية هي أن الدين لله والوطن للجميع، والفصل بين الدين وشؤون الدولة، أي أن الناس يمكن أن يتمسكوا بدينهم في ظل الدولة المدنية لا الدينية.

لكن الأصوليين المتطرفين يعتبرون العلمانية «كفراً وإلحاداً»، وعندما تربط بالعقلانية فذلك يعني أن العقلانية يسري عليها نفس الحكم!وهذا النوع من الفكر المتطرف، يفسر مثل هذه المصطلحات بفهمه في حدود ثقافته، ولا يعني ذلك أنه ملزم لغيره.

لكن الموضوع لا يقتصر على المسألة الدينية، بل يشمل شؤون الحياة المعاصرة، حتى أصبح العرب يفكرون ويمارسون اللاعقلانية باسم العقلانية العربية، فحقيقة العقلانية العربية هي كذلك، وأحياناً كثيرة ترى فتاوى واجتهادات ومواقف وممارسات في حياتنا العربية، لا عقلانية وقد لا تجد لها تفسيراً.

وقد يعتقد البعض أن أصحابها قد يرون ما لا نرى، ونكتشف أنهم لم يروا شيئاً، وأن أفكارهم تلك قادت إلى كوارث وأزمات لا حدود لها، دفعت الأمة ثمناً باهظاً لها، لأن أساس التفكير لم يكن عقلانياً، حتى وإن ادعى العقلانية فإما لم يفهم معناها ومغزاها، وإما هو لديه حكم مسبق لرفضها والعمل ضدها.

ونجد ترديد مصطلح العقلانية، عند طرح قضايا أساسية في حياتنا المعاصرة، مثل الخلاف بين أنصار الدولة الدينية وأنصار الدولة المدنية.فما هي الأسس التي يعتمد عليها كل طرف في فهم العقلانية؟ وبالطبع يجب أن لا يكون فهم كل طرف ناتجاً عن رد فعل على فهم الطرف الآخر للعقلانية.

فدعاة الدولة الدينية يرون أن الدين الإسلامي دين الأغلبية، والدولة يجب أن تكون إسلامية تقوم على الشريعة الإسلامية كما يراها الفريق أو تراها الجماعة التي تسيطر على مقاليد الأمور في المجتمع.

فالأزهريون في مصر يرون الشريعة وتطبيقها، على غير ما تراه جماعة طالبان أو القاعدة في أفغانستان وباكستان، وغير ما يراه الوهابيون أو النظام الشيعي في إيران. وهذا الطرح في محصلته النهائية ضد الدولة المدنية وضد الدستور والقانون الوضعي، وقبول هذه التيارات الدينية بالدستور والقانون الوضعي مؤقت حتى تتم عملية أسلمتهما على أيديهم.

وأما دعاة الدولة المدنية وفهمهم للعقلانية فيختلف كثيراً، وربما جذرياً، عن الفهم السابق لأصحاب الدولة الدينية.إن التفكير العقلاني هنا أساسي وصريح وواضح باعتماد الدستور والقانون الوضعي في الدولة المدنية، والمنهج العقلاني في إدارة شؤون البلاد والعباد.

كذلك فإن العقلانية هنا لا تعادي الدين، بل تقر لكل أصحاب الديانات في المجتمع حقهم في ممارسة شعائرهم واحترام دينهم ورأيهم، في ظل الدولة المدنية الديمقراطية التي تقوم أساساً على العقلانية في فهم وتطبيق ما يتعلق بشؤون الحياة في جميع النواحي.

لقد تميز الإنسان عن باقي المخلوقات بأنه خلق عاقلاً، وذلك يعني أنه يفكر بأفعاله وأفعال الآخرين، وعندما يدرك الإنسان أهمية هذه النعمة يتخذ من العقلانية منهجاً في حياته.

هذا بصورة عامة، فما بالك بالنخبة التي تتحمل مسؤولية إدارة وقيادة الشأن العام! إن القوى التي قادت مجتمعاتها بالعقلانية في عصور التاريخ المختلفة، قد حققت إنجازات وتحولات تاريخية في الاتجاه الإيجابي لشعوبها، وما أحوجنا في عصرنا لمثل تلك القوى ولذلك النهج.

أما لماذا ننادي ونركز على ذلك؟ فمرة أخرى نقول؛ لأننا نعيش عصر اللاعقلانية، ولذلك فسلوك وفعل الإنسان اليوم مدمر للإنسان والبيئة أكثر من أي وقت مضى.

وتجدر الإشارة بنوع من الاهتمام إلى التجربة الأوروبية والغربية بصورة عامة، في تطبيق العقلانية والعلمانية والدولة المدنية، والتي نجحت خلال القرون الثلاثة الماضية في تحقيق التقدم لشعوبها، بعد ظلام الدولة الدينية في العصور الوسطى، وما أعقبها من تداعيات تتعلق بتلك الفترة.

إن فهم وتطبيق العقلانية في تلك الدول أدى إلى تقدمها، وإلى أن تفخر بما حققته.وهنا قد يثير أصحاب الدولة الدينية أن الدولة الدينية الإسلامية قد حققت حضارة في العصور الوسطى، كان لها تأثيرها على الغرب نفسه. لكن تلك الحضارة قد تحققت لأن أساسها عقلاني، وعندما تخلت دولها عن هذا النهج انهارت تلك الحضارة.

ومؤشرات طرح الأحزاب والجماعات الدينية المعاصرة لا تبدو في غالبها عقلانية، ولذلك لن يصلوا إلى ما وصل إليه قادة ومفكرو الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى.كما أن ظروف العصر تتطلب نهج الدولة المدنية، مع احترام الأديان، واعتماد العقلانية فكراً وممارسة في حياتنا المعاصرة ولمستقبل أجيالنا.

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com