أيّ تعرّض للدين أو رموزه المقدسة، يعني إشعال نيران الفتنة، خاصة وأن العالم المتدين لديه حساسيات معقدة، عكس الدول الأوروبية التي تتحدث الإحصاءات أن قداس الأحد لا يهتم به إلا شريحة صغيرة، بل أصبح المجتمع علمانياً تضغطه ساعات العمل، ولم تعد الأسرة عمود الوحدة الوطنية، غير أن أمريكا على النقيض إذ رغم ديموقراطيتها وانفتاح مجتمعها على الثقافات والأديان، إلا أن مجتمعها متدين، ومثلها دول أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا..
العالم الإسلامي يثيره أي تناول غير موضوعي يحاول أن يتجنى على النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة ، وعند كافة المسلمين لا يمكن أن يتعرض أي إنسان لموسى، وعيسى وإبراهيم عليهم السلام على اعتبار أنهم أنبياء يحرم سبهم، وهذه الصورة قد تكون الوحيدة في الكتب السماوية الأخرى التي تحترم الأديان السماوية.
ومع ذلك هناك مَن يتخذ من حرية الرأي باباً مفتوحاً للإساءة ليس للدين الإسلامي فحسب، بل للأديان الأخرى عندما تصوّر بغير رسالاتها وتوضع ضمن الهرطقة الفكرية، وخاصة عند كتّاب وفلاسفة الغرب، ولأن الشارع لا تثيره هذه الأنماط من الأفكار والآراء، أو الأفلام التي تتعرض لأنبيائهم، فإن الأمر يختلف عندما تصل لنقد الإسلام ونبيه وصحابته وإلى الاستهتار واللامبالاة، ليكون رد الفعل التهديد بالقتل، أو التصفية، وهي الأبعاد التي أخذت مداراً ساخناً في سنواتنا القريبة، وخاصة بعد أحداث ١١ سبتمبر..
المشكل ليس في الطرف الخارجي الذي يحاول أن يستفز أو يطرح البعد الانتقائي في رؤيته للإسلام والمسلمين بأنهم عائق فكري وحضاري مضاد للتقدم والحرية، وهي نظرة ليست جديدة عندما بدأت مع الاستعمار والاستشراق، لكن ما يؤلم أن المسلمين أنفسهم بدأوا الأخذ بالتعرض لرموزهم، وهي وإن جاءت خلافية تاريخية، أعطيت صورة الأزمة.
وجسدت بغير معناها، فإن الخطر هنا قد يصل إلى أوضاع لا تباعِد فقط بين أصحاب المذاهب، أو تعمق العداوات، بل تنشر الفوضى التي تصل حد التقاتل، والنماذج في العراق ولبنان، واليمن وغيرها تجري على نفس المسار، والمؤلم أن من يشيعون الخلافات يملكون المصادر الدينية والفكرية، بل وهم رموز توضع ضمن المؤثرين على الشارع، ومثل هذه التجاوزات لا توضع في سياق خلاف يمكن حصره في التاريخ أو الماضي البعيد، بل يأتي لاستثارة مشاعر كل المتدينين من مختلف المذاهب، ولا نعتقد أن أي مسلم عاقل لديه الرغبة والحافز لأنْ يجعل الفوضى باسم الدين وسيلته لدق الأسافين بين الدين والملة الواحدة..
التاريخ مؤشر يبقى حدثاً للاستفادة من أحداثه، وقد تقاتل المسلمون على جوانب خلافية لا تستدعي العقوبات التي فرّقت أصحاب المذاهب والملل، ولأن لكل زمان مقوماته وظروفه فالحاضر لا يعاقَب بالماضي، وبالتالي فالسنّة والشيعة عندما يختلفان فإن حسم الأمور تبقى بيد العلماء والحكماء والسلطات الحكومية التي تعي مصادر الخطر، بل إن المكسب سيكون لصالح الطرف المتربص بالمسلمين، وقواعد اللعبة السياسية عندما تسيّس الدين تأتي المخاطر أكبر، والعبرة بمن يفهم الدواعي والأسباب ويتعالى عليهما بالمنطق والعقل..
