مع سقوط نظام الشاه محمد بهلوي، الحليف الأكبر لإسرائيل في المنطقة وفي العالم الإسلامي، بعد انتصار الثورة الخمينية أوائل عام 1979 بأجندتها الإسلامية الراديكالية، كان المأمول أن يؤدي انبثاق هذا الظرف التاريخي النادر إلى تبلور تحالف عريض بين الدول العربية وإيران، تحت راية «تحرير القدس»، في مواجهة الشراكة الإسرائيلية الأميركية. لكن من المؤسف الآن أنه وعلى مدى ثلاثة عقود زمنية، تبدد هذا الظرف التاريخي تماماً. فماذا جرى؟
في البدء، ومع استيلاء القيادة الثورية على السلطة في طهران، جاء أول تحرك إيجابي عربي تجاه النظام الثوري الجديد من منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، ولكن رويداً تعثرت المبادرة الفلسطينية وانتهت إلى فشل، بعد أن أساء عرفات استخدامها.
يروي التاريخ القريب أنه في مساء يوم 31 يناير 1979، وقف عرفات في شرفة منزله في بيروت، وأطلق طلقات في الهواء من مسدسه الخاص تعبيراً عن الابتهاج. ففي ذلك اليوم وطئت قدما الإمام الخميني أرض بلاده لأول مرة، بعد 14 عاماً من العيش في المنفى الخارجي، ليتولى قيادة الحكم بعد أن أطاحت الثورة بنظام الشاه.
كما هو معلوم، كان الخميني قادماً من باريس حيث كان يقيم، بعد أن طرده نظام «حزب البعث» في العراق. ومما يروى أن عرفات عرض على الزعيم الإيراني الإقامة في لبنان، حين كان آنذاك مقراً لمنظمة التحرير الفلسطينية وقواتها القتالية.
كان تحرك عرفات على ذلك النحو يترجم فورة ابتهاج شعبي في المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث نصبت لافتات في شوارع بيروت مكتوب علهيا «اليوم إيران.. وغداً فلسطين».لكن شهر العسل هذا لم يدم طويلاً، فقد نشأت حالة توتر بين قيادة منظمة التحرير والقيادة الثورية الإيرانية. وكان السبب دخول الولايات المتحدة على خط العلاقة بين الطرفين، عبر المنظمة الفلسطينية.
في ذلك الحين، وقبل أقل من عام على انتصار الثورة الإيرانية، خرجت مظاهرات عارمة في طهران، انتهت إلى قيام مجموعة من الشباب الثوريين باحتلال السفارة الأميركية واحتجاز 52 دبلوماسياً أميركياً.
وبعد أن فشلت جهود الإدارة الأميركية مع السلطات الإيرانية لإطلاق سراح الدبلوماسيين، تلقى عرفات بصورة غير مباشرة رسالة من وزير الخارجية الأميركية، آنذاك، سايروس فانس، طالباً منه التوسط لدى الإيرانيين.
كاد عرفات يطير من الفرح بهذا التكليف. فقد تراءى له أنه فرصة لكي ترضى عنه واشنطن، فتوافق على فتح حوار مع منظمة التحرير، إذا تمكن فعلاً من إحراز النجاح في إطلاق الرهائن الأميركيين.
كانت تلك رؤية تنم عن تفكير قصير النظر، فقد استشاط القادة الإيرانيون غضباً ورفضوا الوساطة الفلسطينية، قائلين إن قيادة المنظمة الفلسطينية تقوم بدور «قذر». وهكذا خسر عرفات والمنظمة فرصة تاريخية، بتفضيله مكسباً تكتيكياً غير مضمون في كل الأحوال، على علاقة دعم تحالفية بعيدة المدى.
لكن تدهور العلاقة بين أطراف عربية وإيران، لم يتوقف عند هذا الحد. فقد دعمت عدة دول عربية الحرب التي ابتدرها عراق صدام ضد إيران في عام 1980، وتواصلت لمدى ثماني سنوات. ودخلت أميركا أيضاً على خط الحرب لصالح العراق، إذ كانت تمد قيادة القوات العراقية بمعلومات استخباراتية عن أهداف إيرانية. وبدا الأمر وكأنه تحالف عربي بإشراف أميركي.. وكأن الدول العربية نسيت إسرائيل ومصير الشعب الفلسطيني تماماً. ولذا فإنه عندما تجاوزت الحرب عامها السابع، وقع رد فعل فلسطيني شعبي عارم، تمثل في اندلاع «انتفاضة الحجارة» في الأراضي المحتلة أواخر عام 1987.
والآن لنتساءل: إلى أين ينبغي أن تتجه العلاقة العربية ـ الإيرانية؟
أمامنا ثلاثة محاور: فلسطين، ولبنان، والبرنامج النووي الإيراني.
نظرياً لا ينبغي أن يكون هناك خلاف عربي ـ إيراني تجاه الاحتلال الإسرائيلي لأراض عربية، وبالتالي تجاه المقاومة الوطنية في كل من الأراضي الفلسطينية ولبنان، أي «حماس» و«حزب الله». لكن النظرية شيء والواقع المرئي شيء آخر، ذلك أن غالبية الدول العربية لا تختلف رؤيتها نحو المقاومة المسلحة عن الرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية. وحتى قيادة السلطة الفلسطينية، تجاهر علناً بمعارضتها نهج المقاومة من حيث المبدأ.. بينما تحظى منظمات المقاومة من ناحية أخرى بدعم عملي إيراني.
وإذا كان هذا الواقع المرئي موضع عجب، فإن ما هو أعجب من ذلك أن نرى موقفاً عربياً معارضاً للبرنامج النووي الإيراني، اقتداءً بالموقف الأميركي.
بالطبع تقول القيادة الإيرانية إن برنامجها النووي مصمم لخدمة أغراض سلمية فقط. وبالطبع لا يصح أخذ هذا الادعاء على ظاهره وكأنه الحقيقة الكاملة، إذ ليس من المستبعد أن يتطور البرنامج مستقبلاً إلى مستوى إنتاج أسلحة نووية. لكن ما يثير العجب حقاً، هو السكوت العربي عن الترسانة الإسرائيلية التي تحوي أكثر من مئتي رأس نووي، علماً بأنها أمر واقع، بينما تحول البرنامج الإيراني إلى مستوى تصنيع أسلحة أمر ينحصر في دائرة الاحتمال!
فهل بعد هذا سيأتي يوم يقوم فيه تحالف عربي إيراني تحت راية «تحرير القدس»؟ الإجابة على هذا السؤال تفرز تساؤلاً لاحقاً: متى تتحرر الإرادة العربية من الارتهان إلى الإرادة الأميركية؟