وصلت أمتنا العربية والإسلامية لمستويات ضعف غير مسبوقة، أدت بالآخرين إلى الاستهزاء بنا والاستقواء علينا. ولم يعد هذا الاستقواء عسكرياً فقط، لكنه ارتبط أيضاً بحرب العقول وتغيير الوعي وتشويهه. وفي إطار حالة الضعف المستشرية الآن، فإننا نسمع من فترة لأخرى عن مشروعات جديدة، تتم من خلال الغرب وأعوانه في المنطقة.

وآخر هذه المشروعات ارتبط بمؤسسة اليونسكو، التي اعتقدنا لفترات طويلة أنها معنية بشؤون الثقافة والتعليم، بعيداً عن تحيز مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية التي أصبحت تحت الوصاية الأميركية بدرجة غير مسبوقة.

ويعرف هذا المشروع باسم «علاء الدين»، الذي جاءت تسميته مستوحاة من إحدى شخصيات ألف ليلة وليلة، والذي يهدف إلى توعية العرب والمسلمين بالهولوكست، وجعلهم على دراية أكبر بما حدث لليهود في أوروبا على أيدي النازية.

فالهدف المعلن تعليمي يعنى بتوسيع دائرة الفهم المتبادل، وتجاوز «صدام الجهل» بين المسلمين واليهود على حد قول القائمين على المشروع. علينا أن نضع في الاعتبار أن هذا المشروع تم بالشراكة بين اليونسكو ووزارة الخارجية الفرنسية، التي وفرت زخماً كبيراً للمشروع، من خلال خبرائها العاملين في الشرق الأوسط، ومن خلال ترسانة المثقفين العرب المتفرنسين.

جاء الإعلان عن بدء العمل بمشروع علاء الدين، الخاص بتدريس «المحرقة» اليهودية في العالم العربي والإسلامي، ليثير العديد من علامات الاستفهام والامتعاض في الوقت نفسه. ففي الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون ظروفاً حياتية قاسية، ويواجهون حصارا غير مبرر على الإطلاق، إذا بهيئة اليونسكو وبعض أعوانها من العرب والمسلمين، يروجون بضاعتهم المغشوشة والمسمومة في المنطقة.

والغريب في الأمر أن المدير العام للمشروع، آب رادكين، الرئيس التنفيذي لمؤسسة حقوق الإنسان، يتمتّع بتجربة كبيرة في العمل في ميدان حقوق الإنسان والقضايا الإنسانية في الشرق الأوسط، ورغم ذلك فهو معني بتعليم شؤون المحرقة التي مرت عليها عشرات السنين، وغير معني على الإطلاق بالاقتراب من قريب أو بعيد من المحرقة التي يواجهها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية! وإذا كان ما يعني السيد رادكين هو الماضي، فإن الحاضر يمنحه مثالاً حياً وواضحاً لا لبس فيه، لتوسيع دائرة التواصل الإنساني بين البشر كما يدعي قولا وظاهرا.

يقدم موقع علاء الدين شرحا مبسطا لأحداث المحرقة النازية، باللغات العربية والتركية والفارسية، فضلا عن الفرنسية والإنجليزية، كما يهدف إلى التعريف باليهود، وتسليط الضوء على العلاقات التي ربطت بينهم وبين الشعوب المسلمة عبر التاريخ، والإجابة عن الأسئلة التقليدية التي غالباً ما تُطرح بخصوص هذه القضايا والموضوعات.

ولا تبدو هذه الأهداف بريئة، إذا ما عرفنا أن القائمين على المشروع يعلمون تمام العلم، بحجم الرفض التام في العالم العربي والإسلامي للاستغلال الصهيوني لمسألة المحرقة اليهودية، وهم يرون أنه يجب الفصل بين «ما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وبين الحقيقة التاريخية التي لا يجدر بنا السماح بتجاهلها مهما كانت الدوافع».

ووفقاً لهذا التصور، فإنه يجب على العرب والمسلمين أن يفصلوا بين مشاعرهم تجاه ما يحدث للفلسطينيين من قتل وتصفية وتنكيل وتشريد وإهانة واحتقار، وبين مسألة المحرقة النازية. يجب علينا، وفقاً لهذا التصور، أن نكون أناسا متحضرين نقبل بالمحرقة ونتعاطف مع اليهود ومع ما حدث لهم من منطلق إنساني يليق بنا، وألا يؤثر ما يحدث للفلسطينيين أو غيرهم في كافة أنحاء الأمة الإسلامية على مشاعرنا، فهذه نقرة وتلك نقرة!

لا يقف المشروع فقط عند إنشاء موقع تعليمي يعلمنا نحن العرب والمسلمين ما جرى لليهود، لكنه يتعدى ذلك إلى إنشاء مكتبة علاء الدين الرقمية، حيث يُمكن تحميل كتب ومراجع باللغات العربية والفارسية والتركية خاصة بالمحرقة النازية، مثل كتاب «دفتر يوميات آن فرانك» و«لو كان رجلا» بقلم بريمو ليفي، و«هتلر واليهود» بقلم فيليب بورين، و«سوندركومندو» بقلم شلومو فينيزيا. ارتباطاً مع ذلك، سوف يتم تنظيم العديد من الندوات حول تاريخ المحرقة، في الكثير من العواصم العربية والإسلامية، مثل الناصرة واسطنبول وتونس والرباط والدار البيضاء والقاهرة وبغداد وعمان.

ومن أسف أن بعض المفكرين والمثقفين العرب الكبار قاموا بدعم هذا المشروع المشبوه، ولا يجد المرء مبرراً لهذا الدعم سوى توصيفهم بالتماهي مع المتسلط الأقوى. فلم نسمع من أي منهم إدانة لما يحدث في غزة أو أفغانستان من قتل وتدمير، كما لم نسمع منهم عن أي مشروع فكري يمكن من خلاله مؤازرة الفلسطينيين وتوصيل المعونات لهم..

لقد تعدت إسرائيل وحلفاؤها الآن مرحلة القتل الذي أصبح بإمكانهم القيام به في أي وقت وكيفما يشاؤون، إلى مرحلة جديدة أشد خطورة وقسوة، حيث إلزامنا باحترام قاتلينا ومنتهكينا والقبول بما يقولون ويأمرون ويفرضون، أن نمجد القاتل ونلعق يديه! وهي مرحلة أشد خطورة من كافة مراحل الطغيان الصهيوني الغربي، على العالم العربي والإسلامي.

أخيرا، يحتاج مشروع اليونسكو بالغ «البجاحة»، وقفة عامة من المثقفين العرب تتم من خلالها إدانة المشروع والقائمين عليه، والبدء في تدشين العديد من المواقع الرافضة لهذا المشروع، وتعريف القارئ الغربي الشريف بأن الشعب الفلسطيني يواجه محرقة مستمرة منذ عشرات السنين، وصلت في أقسى تجلياتها إلى ما يحدث الآن في غزة.

ونتمنى من المثقفين العرب والمسلمين مراجعة حساباتهم وسحب تدعيمهم لهذا المشروع المشبوه، فالاعتراف بالخطأ لن ينقص من قيمتهم شيئا، فخير الخطائين التوابون!