مئات المقالات والآراء والدراسات وعشرات الندوات وعدّة كتب، عرفتها فرنسا خلال الأشهر الأخيرة، تدور كلّها حول موضوع واحد، هو «الهوية الوطنية» الفرنسية كعنوان عريض، و«مكانة الإسلام والمسلمين» في النسيج الاجتماعي والسياسي الفرنسي كعنوان «فعلي».

الموضوع ليس جديداً. إنه مطروح منذ سنوات عديدة. يخبو أحياناً، ثم يبرز فجأة على خلفية حدث أو واقعة، أو حتى لمجرّد مأرب انتخابي! وبعد قضية الطالبات «المحجبّات» الثلاث في إحدى المدارس قبل سنوات، وما رافقها من ضجّة على صعيد فرنسا كلّها، ينفجر الموضوع من جديد اليوم حول «النقاب»، الذي ظهر فيه بضع مئات ـ حوالي 2000 حسب بعض المصادر الصحافية ـ من النساء المسلمات في بعض المناطق الفرنسية. وهذه المرّة هي الأعنف والأطول، فإذا كانت قضية «الحجاب» قد انتهت إلى حل وسط بـ «التراضي»، فإن النقاشات تدور اليوم حول ما إذا كان ينبغي إصدار، أو عدم إصدار، قانون لمنع ارتداء النقاب؟

الآراء تختلف وتتباين وتتناقض، بين مؤيدي إصدار القانون وبين معارضيه. المرجعيات قد تكون واحدة، لكن التفسيرات هي التي تختلف. وكما كان الأمر في قضية الحجاب سابقاً، تمزّق قضية النقاب اليوم الطبقة السياسية الفرنسية كلّها. تناقض في اليمين، وتناقض في اليسار. برلمانيون ورجال قانون ومثقفون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومسلمون، الكل يبحث عن حجج في هذا الاتجاه أو ذاك، ولكل منهم في أغلب الأحيان مراميه.

جرد الحجج المقدّمة في الاتجاهين، يحتاج إلى صفحات. ولكن قد يمكن جمع المؤيدة منها لإصدار قانون، في عدّة عناوين عريضة هي؛ المحافظة على النظام العام، واحترام العلمانية، وصيانة كرامة المرأة «ولو قسراً»، والوقوف في وجه انحراف طائفي منافٍ للقيم الجمهورية.

أما الحجج المناهضة لصدور قانون، فمن أبرزها القول إن القانون يمس حتماً الحريّة الفرديّة، ويتنافى مع مبدأ المساواة، هذا فضلا عن أنه غير قابل للتطبيق، وقد يثير اضطرابات دون استبعاد شبح الإرهاب.

الرئيس نيكولا ساركوزي كان واضحاً في موقفه منذ البداية، عندما قال «النقاب ليس فرنسا، وفرنسا لا تريد النقاب»، لكنه كان أقل وضوحاً في ما يخص إصدار قانون بمنعه. إنه لم يقل «لا» لإصداره، ولكنه قال ب«منعه في الأماكن العامّة». مع ذلك لم تتردد المجموعة البرلمانية لحزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية»، حزب الأغلبية والرئيس، عن إعلان عزمها على طرح مشروع قانون لمنع النقاب بشكل كامل، وليس في الأماكن العامّة فقط.

ولم يتردد رئيس هذه المجموعة، جان فرانسوا كوبيه، في الدخول بنوع من النزاع المفتوح مع الرئيس ساركوزي، أثناء اجتماع في قصر الإليزيه لقادة الأغلبية، عندما أكّد أنه «قد حان الوقت لاتخاذ قرار حاسم. ينبغي إصدار قانون، ولا يمكن ترك ظاهرة النقاب تصبح أمراً عادياً»، وأضاف: «هذه مشكلة في غاية الخطورة، وأنا مع المنع الكامل للنقاب».

اختلطت الأوراق ودخلت الحسابات الشخصية «المنقّبة»، في اتخاذ المواقف، كما يبدو. فالكل يتحدث عن الطموحات الرئاسية لجان فرانسوا كوبيه، الذي قد يريد بتشدده أن يظهر بموقف السياسي الحازم في ما يتعلّق بالمبادئ، مما يجد صداه لدى ناخبي اليمين، ويظهر بموقف المدافع عن «حريّة المرأة»، ليعزف للمجتمع الفرنسي عامّة على النغم الذي يحبّه.

أمام حمّى الانفعالات التي أثارتها النقاشات، فقد حسمها الرئيس ساركوزي بتأجيل مسألة تبنّي قرار أو إصدار قانون، إلى ما بعد الانتخابات الإقليمية التي ستجري في مارس المقبل. ولكنه حاول في الوقت نفسه «تأطير» النقاشات، حيث تبنّت الحكومة قبل أيام قرار تشكيل لجنة تضمّ سياسيين ومؤرخين ورجال قانون، وممثلين لجميع «الحساسيات» السياسية والاجتماعية الفرنسية، لتكون في موقع «الحَكَم» الذي يمنع «الشطط»، في كل ما يتعلّق بالنقاش حول الهوية الوطنية الفرنسية.

ويبقى السؤال: قانون أو لا قانون؟

المسلمون لهم وجودهم في فرنسا منذ عقود طويلة، أمّا الظاهرة فجديدة وهامشية، وهناك سبل عديدة لاستيعابها، دون توظيف ما تثيره من مشاعر الخوف «المفهومة» لدى الفرنسيين من انتشار النقاب، كما عبّرت الأغلبية منهم حسب عدّة استطلاعات للرأي. ومجرّد تعبئة البرلمان لنقاش الموضوع، سيكون مثل من يصب الزيت على النار. ذلك أن الربط سيحدث آلياً بين الإسلام والنقاب لدى الرأي العام، هذا فضلاً عمّا سيرافق ذلك من إثارة لمشاعر المسلمين في فرنسا.. وفي العالم.

لكن إذا مرّ القانون مع ذلك في البرلمان، فليس هناك ما يسمح بالتأكيد أنه سيمرّ من رقابة المجلس الدستوري، الذي سبق وكبح قوانين أخرى كان من آخرها القانون الخاص بـ «ضريبة الكربون». وهناك أيضاً عقبة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفوق هذا كلّه، قد يكون قانوناً غير قابل للتطبيق، كما عبّر العديد من رجال السياسة، ورجال الشرطة أيضاً الذين حذّروا من أفق حدوث اضطرابات.

في كل الحالات، ليست قضيّة قانون النقاب سوى الجزء الصغير البارز من مسألة تحديد مكانة الإسلام والمسلمين في النسيج الاجتماعي والسياسي الفرنسي. لا شكّ أنها مرحلة انتقالية، قبل أن ترسو الحالة إلى قرار.