بين تأصيل الرعاية الاجتماعية والبحث في سبل تأمينها وتطويرها وتعميمها على أفراد المجتمع كافة، وتأصيل مبدأ الأمن الاجتماعي ليشمل جميع من يعيش على أرض الوطن، علاقة وطيدة وارتباط جدلي لا ينفك، بحيث يفضي الأول إلى الثاني ويعزز الثاني من اطراد ثمار الأول.
ومنذ أن أخذ البشر مكانهم على هذه البسيطة، كان الشغل الشاغل للإنسان هو تأمين مقومات الاستقرار المكاني والشعور بالطمأنينة والقوة، وهو ما اقترن بالحاجة الماسة إلى تحقيق الأمن بأبعاده المختلفة، وفي مقدمتها أمنه الاقتصادي والأمن العائلي والعشائري والأمن الصحي، وهذا ما أصبح يعرف بالأمن الاجتماعي بمفهومه التقليدي، والذي تطور حديثاً ليغدو ما اصطلح على تسميته بحق الإنسان في التنمية البشرية المستديمة.
ولعل هذه الحقيقة هي مما يتفق عليه جميع بني البشر مهما اختلفت مواقعهم وشرائحهم، بل مهما تقدمت درجة المدنية عندهم أو تأخرت، وبذلك أصبح محور قضية الأمن الاجتماعي هو تشبع الإنسان بالإحساس بالأمن، فإذا لم يشعر المرء بالأمن، فالأمن غير موجود حتى إن كان موجودا.
ولقد كان الأمن ولا يزال هاجس الأفراد والجماعات والأمم، حيث تسعى إلى تحقيقه بشتى السبل، باعتباره العامل الجوهري الذي يحفظ الوجود الإنساني ويمنحه مكانه في الحياة بكرامة، لذلك فقد رافق تصور الحياة المطمئنة الآمنة كل العصور والأزمنة، بما يتفق مع الفطرة التي جبل عليها البشر، وهي غريزة البقاء، وغريزة الدفاع عن الحياة وسلامة الجسد والحرية، وتطورت أساليب الدفاع والحفاظ على الأمن بتطور وسائل التقنية التي توصل إليها الإنسان، من العصور البدائية والحجرية إلى الزراعة فالصناعة، وتطور وسائل المواصلات إلى تكنولوجيا الاتصالات ثم إلى تقنية المعلومات.
ولقد كانت ولا تزال تجربتنا في الإمارات مليئة بالأمثلة الصارخة على شيوع فلسفة الأمن الاجتماعي بين الناس على أرضها، سواء كانوا مقيمين أو مواطنين، وعلى اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم وعقائدهم، فهي تجربة إنسانية حية تعلي من قيمة الإنسان، وتجعل السعي إلى ترسيخ قيم الأمن في حياته منهجاً تقوم عليه جميع مؤسسات الدولة، بدءاً من المؤسسات الأمنية والشرطية وانتهاءً بالعلاقات الفردية والاجتماعية، مروراً بالحاجات الاقتصادية والعمل ومكافحة البطالة وتأمين فرص العمل للجميع، ومنح فرص الاستثمار لكل من يرغب البحث عن النجاح.
وهو ميدان مفتوح للجميع في بيئة اقتصادية وسياسية آمنة، تمنح الفرصة لكل مجتهد أن يطرق أبواب النجاح، من دون خوف على ماله ونفسه وشخصه.فالإنسان هو محور العملية الإنمائية، كما أن الثقة والاحترام المتبادل هما أساس الأمن والأمان لأي مجتمع يمكنه أن يقوم على وجه صحيح.
ولقد كانت أسس الرعاية الاجتماعية التي جعلتها الإمارات هدفاً لا محيد عنه، ركيزة عظيمة من ركائز تدعيم الأمن الاجتماعي، وما يضفيه على حياة الفرد من طمأنينة تكون منطلقاً يستند إليه في العمل النهضوي والحضاري. وبدت أهم خصائص وملامح الرعاية الاجتماعية عبر إقامة نسق للخدمات الاجتماعية، لا يقتصر على الحاجات الأساسية للمواطنين والمقيمين على أرض الوطن، وإنما يستجيب باهتمام للتطلعات المتزايدة للناس وحاجاتهم لعملية التنمية المطردة.
وتجلى ذلك في ارتفاع عدد المدارس والمنشآت الصحية، والارتقاء بمفهوم الرعاية الاجتماعية من مستوى تقديم المساعدات العينية والمادية والعلاجية لبعض فئات المجتمع، إلى الأخذ بالأساليب الوقائية والتنموية إلى جانب الأسلوب العلاجي، كما اهتمت ببناء الإنسان باعتباره أهم ثروات المجتمع والذي يقود حركة التنمية.
وسعت لضمان مستوى معيشي ملائم له من خلال زيادة معدل النمو الاقتصادي، وتقوية العلاقة بين الفرد والدولة من خلال ربط الأمن المعيشي والحياتي للأفراد بالدولة، بعد أن كان في ما مضى يرتبط بالأسرة الممتدة ومجموعات الأقرباء الواسعة، مع التأكيد على أهمية مشاركة المرأة للرجل في عملية التنمية، من خلال أداء دورها في القطاعات المختلفة في المجتمع، والاهتمام برعاية الأسرة والطفولة والشباب، الذي يعكس اهتماما ببناء وتنمية الإنسان في المجتمع.
ومن جهة أخرى ينسحب مفهوم الرعاية الاجتماعية المؤدي إلى الأمن الاجتماعي، ليشمل مختلف الجهات والمؤسسات الحكومية، من الشؤون الاجتماعية إلى العمل والصحة والتربية والتعليم والرياضة، والإعلام والثقافة، إلى جانب ما تسهم به المؤسسات الأهلية التطوعية والجمعيات النسائية.
وهذا، بلا أدنى شك، يشكل الضمانة الحصينة لأمن المجتمع، عبر تحطيم سلسلة الثلاثية المدمرة لأمن المجتمع، وهي الجهل والجوع والمرض، وذلك من خلال إقامة مجتمع قائم على قاعدة صلبة من القيم، ينبثق عنها نظام اجتماعي يجعل من سعادة الإنسان وكرامته هدفه الأول.